الآن

كيف يتغلغل الإيرانيون في حلب؟

أربعة أعوام مضت على انسحاب المعارضة السورية من الأحياء الشرقية من حلب، كبرى المدن السورية لجهة السكان. لم يخرج المقاتلون فقط، وإنما غادر آلاف المدنيين من تلك الأحياء نحو مناطق المعارضة، تاركين خلفهم منازلهم وممتلكاتهم، التي سطت عليها مليشيات شاركت النظام بمحاربة فصائل المعارضة في شرق المدينة، قبل التوصل إلى اتفاق خروج المعارضين منها، مدنيين وعسكريين.

من الأحياء الشرقية لحلب تمدد نفوذ تلك المليشيات، المدعومة بمعظمها من "الحرس الثوري" الإيراني، إلى كامل المدينة. وأدى اعتزازها بتفوقها في العمليات أثناء المعارك والسيطرة مقارنة بقوات النظام، إلى جعلها تملك الكلمة العليا والأقوى في حلب، حيث تحكمت بمعظم أرجاء المدينة عسكرياً وخدمياً، حتى باتت قوات النظام ومديرياته الخدمية، وأفرعه الأمنية، مأمورة منها.

المشهد في حلب غاية في السوء، كما يشير الناشط نذير، الذي يستقي أخبار المدينة من والدته التي ظلت هناك بمفردها، بعدما اضطر للمغادرة خوفاً من الملاحقة الأمنية أو الانضمام الإجباري للخدمة في صفوف قوات النظام. وينقل نذير عن والدته أن الوضع الأمني يتدهور، فالسرقات وعمليات الخطف والقتل باتت منتشرة بشكل كبير، برعاية وغض نظر من إيران، إذ إن غالبية مرتكبي الجرائم من المرتبطين بالمليشيات. ويضيف: بات المدنيون يشعرون بأن تلك المليشيات تعمد لخلق الفوضى، لكي يتم فرز المحسوبين على المليشيات أو المنتسبين إليها عن الحياديين الذين تطاولهم حالات التجاوز والانتهاكات ربما بشكل متعمد.

ويشير نذير إلى أن أحد أقاربه من حلب أخبره بأن الشغل الشاغل لتلك المليشيات اليوم هو السيطرة على المدنيين، من خلال الترغيب بالتشيع أو فرضه أحياناً بالترهيب. وكل الوسائل التي تستخدمها المليشيات الإيرانية، من زعزعة الأمن في المدينة والتسلط على الضعفاء وغيرها من الأساليب، تصب باتجاه تحقيق هذا الهدف، وسط مساعدة من قبل النظام، إذ تتعاون مديرية الأوقاف في حلب مع الإيرانيين أو وكلائهم هناك، حتى باتوا يحددون مواضيع خطب الجمعة في المساجد.

ويحفر الإيرانيون في التاريخ للبحث عن مزاعم تتيح لهم إنشاء المراقد والمزارات في مدينة حلب. وقد زعموا منذ أيام أنهم أعادوا ما يُسمى بـ"صخرة النقطة" إلى مكانها في مسجد يحمل اسم "النقطة" يقع في حي الإذاعة في قلب مدينة حلب. وذكرت وكالة "مهر" الإيرانية أن الاحتفال، الذي حضره إيرانيون وشخصيات من نظام الأسد مرتبطة بطهران، حمل شعار "بالولادة عودة"، زاعمة أن هذه الصخرة اختفت منذ أكثر من ثمانية أعوام إبان سيطرة الجيش السوري الحر عليه. وزعمت أيضاً أن القائمين على المسجد كانوا قد أخفوا هذه "الصخرة" قبل أن تظهر أخيراً وتُعاد إلى مكانها. ويروّج الإيرانيون أن نقطة من دم الحسين بن علي، حفيد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، سقطت على هذه الصخرة التي نُقلت بعد ذلك إلى حلب، بينما يشكك كثيرون بهذه الرواية، حيث أشارت مصادر محلية إلى أن الإيرانيين وجدوا بهذه المزاعم ذريعة لخلق مزار للشيعة في مدينة حلب، لأسباب تتعلق بمشروع يعملون عليه منذ عقود لإحداث اختراق كبير داخل المجتمع الحلبي المتماسك.

وذكرت مصادر مطلعة داخل حلب، لموقع"العربي الجديد"، أن محاولات الإيرانيين التغلغل في المدينة بدأت في ثمانينيات القرن الماضي، بتسهيل واضح من نظام حافظ الأسد. وتشير إلى أن السفارة الإيرانية في دمشق اعتمدت على عدة شخصيات موالية لطهران، أبرزها محمود عكام الذي يشغل حالياً منصب المفتي في حلب، وأحمد حسون الذي أصبح لاحقاً مفتياً للجمهورية.

وتبين المصادر أن معظم العلماء الحلبيين، الذين حاولوا الوقوف في وجه هذا المد المنظم، "غُيّبوا في سجون النظام"، مشيرة إلى أن السفارة الإيرانية جندت عدة شخصيات من بلدتي نبّل والزهراء في ريف حلب الشمالي لخدمة مشروعها في نشر التشيّع داخل المدينة.

وتوضح المصادر أن "الحرس الثوري" الإيراني بدأ في العام 2012 بتشكيل مليشيات طائفية في مدينة حلب، من مرتزقة من باكستان وأفغانستان إضافة إلى مليشيات محلية. ومع خروج فصائل المعارضة السورية من أحياء حلب الشرقية في نهاية 2016، وضع الإيرانيون يدهم على هذه الأحياء الفقيرة من خلال مليشيات محلية، منها "لواء الباقر"، و"حزب الله السوري". وتؤكد المصادر أن أفراد هذه المليشيات سيطروا على معظم منازل هذه الأحياء.

من جانبه، يبيّن الباحث السوري محمد علي النجار، في حديث مع موقع "العربي الجديد"، أن النظام الإيراني "يوهم الشيعة بأن لهم حقاً في مدينة حلب، لأنها كانت في القرن الثالث الهجري تحت سيطرة الحمدانيين الذين كانوا يميلون إلى التشيع". ويشير النجار، وهو ابن مدينة حلب، إلى أن "الإيرانيين يفكرون باحتلال طويل الأمد لسورية، لذا يعملون على نشر التشيع، خصوصاً في المدن الرئيسية، وهي حلب في الشمال، ودمشق في الجنوب، ودير الزور في الشرق، واللاذقية في الغرب". ويبيّن أن الإيرانيين يحاولون إنجاز ما يخططون له لحلب من خلال

3 محاور رئيسية، وهي الاقتصادي والعسكري والديني، مضيفاً "سيطر الإيرانيون على جانب كبير من مدينة حلب وأريافها". ويبيّن أن الإيرانيين ينشطون في إقامة الحسينيات والمراقد والمزارات، موضحاً أنهم "يعودون إلى التاريخ للبحث عن أي مزاعم تتيح لهم ذلك، ومسجد النقطة أوضح مثال على ذلك. الروس يقيمون قواعد عسكرية، والإيرانيون يقيمون مراقد أخطر من القواعد" العسكرية.

ويشير النجار إلى أن المليشيات تقتل كل حلبي لا يتعاون معها، لافتاً إلى أن الإيرانيين أنشأوا الكثير من الشركات للسيطرة على الجانب الاقتصادي في مدينة حلب. ويؤكد أن هذه الشركات تقوم بشراء العقارات في كل أحياء حلب القديمة والحديثة، وفي الأسواق التاريخية، ونقلوا ملكيتها إلى شيعة من بلدتي نبل والزهراء، أو لإيرانيين منحهم النظام الجنسية السورية. ويبيّن النجار أن "الإيرانيين يحاولون التغلغل وسط الأسر الفقيرة في مدينة حلب من خلال تقديم مساعدات مادية وعينية لها، في ظل الظروف المعيشية السيئة التي يمر بها معظم السوريين، ورعاية الأيتام، وهو ما يتيح لهم جر هذه العائلات إلى المذهب الشيعي ومن ثم الولاء لإيران".

ويوضح "بدأ الإيرانيون منذ نحو 4 سنوات بتربية الأطفال اليتامى في مدينة حلب وفق العقيدة الشيعية، بهدف تكوين جيش من الأيتام السوريين ولاؤه لإيران". ويقول "لا توجد حتى اللحظة مواجهة حقيقية مع المشروع الإيراني في حلب"، معرباً عن اعتقاده بأن الإيرانيين "سينجحون في مشروعهم لتغيير هوية حلب العربية والإسلامية، طالما لا توجد قوة قادرة على إخراجهم منها".

ولكن أحد علماء حلب المقيمين في جنوب تركيا (فضّل عدم ذكر اسمه)، يعتقد أن المشروع سيمنى بالفشل في المدينة "بسبب المقاومة التي يبديها عدد من علماء حلب غير الموالين للنظام والإيرانيين". ويوضح أن "هؤلاء فضّلوا البقاء في المدينة رغم المخاطر للدفاع عن حلب أمام هذا المد الشيعي". ويبيّن أن اعتماد الإيرانيين على العائلات الفقيرة في مدينة حلب "لا يمكن أن يؤدي في النهاية إلى تغيير عقيدة الحلبيين"، مشيراً إلى وجود "الزوايا الصوفية والمدارس الشرعية التي ترفض بالمطلق المشروع الإيراني في مدينة حلب".