الجمعة 2019/06/14

هل ستدعم روسيا فرض ضغوط أمريكية قصوى على إيران؟

بقلم: ليونيد إساييف ونيكولاي كوزانوف

المصدر: الجزيرة إنجليزية

ترجمة: مركز الجسر للدراسات


يمكن القول إن التعاون بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن إيران محدود.

لم تكن زيارة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو لروسيا في 14 أيار/ مايو الماضي، مفاجئة للكرملين. خاصة بعد تقرير المستشار الخاص روبرت مولر الذي صدر في مارس / آذار الماضي، والذي يبدو أنه أخرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من دائرة الاتهام بخصوص "التواطؤ" مع روسيا. تعد الزيارة فرصة لإعادة فتح قنوات الاتصال بشكل مباشر.

تكتسب هذه القنوات أهمية خاصة لدى الولايات المتحدة في الوقت الحالي، لأنها لا تسعى فقط لإنهاء "صفقة القرن" في فلسطين وإيجاد حل في سوريا، ولكن أيضا، والأهم من هذا كله، عزل إيران. ومن أجل فرض "ضغوط فعالة "على هذه الأخيرة، تحتاج واشنطن إلى موسكو لمساندتها أو ضمان عدم تدخلها.

على الرغم من أن زيارة بومبيو لم تحرز تقدما ملحوظا، إلا أنها قد سمحت للجانبين باستكشاف سبل التعاون، والتي من المحتمل أن تشهد تقدما في الاجتماع الثلاثي القادم لمستشاري الأمن القومي من الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل في القدس لاحقا هذا الشهر.

في الوقت نفسه، أظهر الكرملين، من جانبه، استعداده للقيام ببعض المبادرات لإظهار حسن نواياه اتجاه الولايات المتحدة.

بعد لقائه مع بومبيو، صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالقول إنه لا يجب على إيران أن تعتمد على روسيا في مواجهتها مع الولايات المتحدة بشأن الصفقة النووية. وقال الرئيس الروسي خلال مؤتمر صحفي له في سوتشي، في 15 أيار/ مايو الماضي، "روسيا ليست فرقة إطفاء حرائق، ونحن غير قادرين على مساعدة الجميع خاصة عندما لا يعتمد الأمر علينابشكل كلي. لقد قمنا بدورنا ... ولا يقع الأمر على عاتقنا فقط".

بعد ذلك بأسبوعين، ذكر موقع "بلومبرغ" أن روسيا رفضت تزويد إيران بنظام صواريخ S-400، على الرغم من أن هذا الطلب جاء من أعلى القيادات السياسية في إيران. الواقع بما أن نظام الأسلحة هذا قد أصبح قضية سياسية بشكل متزايد، فمن المنطقي أن يتعامل الروس معه بحذر، خاصة إذا كانت هناك فرصة لإذابة الجليد الذي يغطي علاقات روسيا مع الولايات المتحدة وكسب بعض اللاعبين الإقليميين الآخرين بما في ذلك تركيا والسعودية وإسرائيل.

تواجه تركيا حاليا صراعا دبلوماسيا مع الولايات المتحدة بشأن شرائها لصواريخ S-400 وتواجه خطر عدم حصولها على طائرات مقاتلة أمريكية من طراز F-35 . كما أبدت دول أخرى، كالسعودية، رغبتها في الحصول على نظام الصواريخ الروسي لاستخدامه كوسيلة للضغط على الولايات المتحدة.

بعد كل هذا، من المهم أيضا أن نفهم أن وصف موقع" بلومبرغ" للرد الروسي بأنه "رفض" قد لا يكون دقيقا تماما. بصرف النظر عن الاعتبارات السياسية، تواجه موسكو أيضا صعوبات تقنية كبيرة في تلبية طلبات وتسليم نظام صواريخS-400 وعليه قد تكون ببساطة غير قادرة على تزويد إيران بهذه الصواريخ في هذه المرحلة.

في الوقت نفسه، قد ترى موسكو فائدة من الضغط على إيران على المدى القصير على الأقل.

يمكن أن يعطي الانخفاض المفاجئ في صادرات النفط الإيرانية روسيا ذريعة للإصرار على زيادة حصتها من إنتاج النفط ضمن ما يسمى بـ "اتفاقية فيينا" التي وقعتها مع منظمة البلدان المصدرة للنفط أو ما يعرف ب "أوبك"، حيث تحد هذه الاتفاقية من إنتاج النفط من أجل الحفاظ على أسعاره مرتفعة، وبالتالي ستستجيب روسيا لطلبات عمالقة الطاقة الروس، خاصة شركة "روسنفت"، التي انتقدت الاتفاقية بشكل متكرر.

في أوائل تموز/ يوليو القادم، عندما سيجتمع ممثلو "أوبك" وشركاؤهم لتحديد إنتاجهم من النفط في النصف الثاني من عام 2019 ، يمكن لموسكو أن تدعي أن حجم النفط الذي لا تستطيع إيران إنتاجه بسبب العقوبات يجب إعادة توزيعه بين أولئك الذين هم جزء من الاتفاقية من أجل الحفاظ على استقرار سوق النفط الدولية وتجنب المزيد من التقلبات في الأسعار.

وفي الوقت نفسه، يمكن لروسيا أيضا الاستفادة من انشغال إيران بالتهديد الذي تواجهه من المحور الأمريكي السعودي الإسرائيلي لتحقيق المزيد من المكاسب في سوريا. على الرغم من أن الاثنين متحالفان في دعمهما لدمشق، إلا أن موسكو تسعى مؤخرا للتقليل من النفوذ الإيراني في بعض المجالات الاستراتيجية وتعزيز مكانتها داخل البلاد.

لكن هل يعني هذا أن روسيا ستدعم استراتيجية "الضغوط القصوى" التي تنهجها الولايات المتحدة أو تغيير النظام في إيران؟ ليس تماما.

أولا، وقبل كل شيء، تعتبر موسكو طهران لاعبا مهما في الشرق الأوسط وحصنا ضد الهيمنة الأمريكية. لذا فمن مصلحتها الحفاظ على المنطقة "متعددة الأقطاب".

ثانيا، على الرغم من وجود خلافات في سوريا، تحتاج روسيا إلى إيران لإدارة الصراع في سوريا. يدرك الكرملين جيدا أن أي حديث عن انسحاب إيراني كامل من سوريا هو مجرد تمنّ. على مدى السنوات الثماني الماضية، توغل الإيرانيون بعمق في جسم النظام في سوريا وقواته المسلحة، ويستلزم القضاء عليهم إزالة النظام السياسي والعسكري برمته - وهو ما أمر ليست موسكو مستعدة للقيام به.

ثالثا، يتعاون البلدان أيضا في منطقة بحر قزوين وآسيا الوسطى في مجموعة متنوعة من القضايا – بدءا من مجال الطاقة ووصولا إلى المجال الأمني. فعلى سبيل المثال، نجحت روسيا بمساعدة إيران في إيقاف الحرب الأهلية في طاجيكستان في منتصف العام 1990. وفي عام 2008، عندما سارع الغرب لإلقاء اللوم على روسيا في حربها مع جورجيا، وقفت إيران إلى جانب شريكتها ودعمت الموقف الروسي. وخلال 2018، دعمت طهران أيضا اعتماد روسيا اتفاقية بشأن الوضع القانوني لبحر قزوين، على الرغم أنه من بين خمسة دول ساحلية وقعت هذه الوثيقة كانت المصالح الإيرانية الأقل مراعاة.

رابعا، حاول الكرملين استبدال دعمه لإيران بعلاقات أفضل مع الغرب مرتين قبل اليوم وكان يفشل في كل مرة في الحصول على ما يريد؛ لذا فمن غير المرجح تكرار نفس الخطأ مرة ثالثة. في حزيران/ يونيو من العام 1995، وقع نائب الرئيس الأمريكي آل جور اتفاقية سرية مع رئيس الوزراء الروسي آنذاك فيكتور تشيرنوميردين، لإنهاء جميع صفقات بيع الأسلحة التقليدية الروسية لإيران بحلول نهاية عام 1999. في المقابل، توقع الكرملين الشروع في تعاون اقتصادي بشكل أكبر مع الولايات المتحدة. لم يحدث هذا قط، بل كلف اتفاق جور-تشيرنوميردين روسيا أربع مليارات دولار من التجارة والاستثمار مع إيران.

خلال عام 2009، وافقت إدارتا ديمتري ميدفيديف وباراك أوباما على "إعادة ضبط" العلاقات الروسية الأمريكية، الأمر الذي تطلب من الأول تقليص شراكته مع إيران. وهكذا، في عام 2010، قررت روسيا عدم بيع نظام الصواريخ S-300 لطهران على الرغم من أنها قد أعطت وعودا للقيادة الإيرانية بذلك؛ وبعد ثلاث سنوات فقط تدهورت العلاقات مع الولايات المتحدة مرة أخرى بسبب الاحتجاجات في أوكرانيا. وكما هو الحال في كل مرة فقد شهدت العلاقات الروسية الإيرانية توترا كبيرا، الأمر الذي أدى إلى الكثير من عدم الثقة والشك من الجانب الإيراني.

خامسا، حاليا ليس من الواضح ما الذي يمكن للولايات المتحدة أن تقدمه لروسيا. ففي الوقت الذي أكد فيه تحقيق مولر مرة أخرى تصريحات ترامب بأنه "لم يكن هناك تواطؤ"، هذا لا يعني بالضرورة تحسن صورة روسيا في الوسط السياسي الأمريكي. مع أكثر من عام على الانتخابات الأمريكية، يمكن للرئيس الأمريكي أن يقدم الكثير لروسيا دون أن يكلفه ذلك إعادة الانتخابات.

إن تحسن العلاقات مع موسكو يعني إعادة النظر في سياسات واشنطن بشأن عدد من القضايا الرئيسية بما في ذلك ضم شبه جزيرة القرم، والحرب في أوكرانيا الشرقية والتدخل الروسي في الشؤون الداخلية لدول أوروبية أخرى.

بالنظر إلى كل هذه الأسباب، من غير المرجح أن تدعم روسيا التصعيد الأمريكي ضد إيران. عدا عن القيام ببعض التعديلات الطفيفة في موقفها أو تقديم عرض للعب دور الوسيط، لن تدعم روسيا الجهود الأمريكية لعزل شريكتها.