الثلاثاء 2018/02/27

الروس وخديعة القرار 2401

 

2396 مصالحة وهدنة محليّة أبرمها الروس مع المدن والبلدات السورية، لعلّ هذا الرقم هو أحد الأسباب الرئيسية التي تمنع سقوط الغوطة الشرقية عسكرياً بيد نظام الأسد.

روسيا حوّلت الهدن والمصالحات إلى مشروع خفض التصعيد، وجعلته مسار أستانا المنافس والبديل عن مسار مفاوضات جنيف السياسية التي تهدف للتوصل إلى عملية انتقال سياسي في البلاد عبر هيئة الحكم الانتقالي.

حرصت موسكو على الثبات على مشروع الهدن والمصالحات، حتى بعد تدخّلها في حلب لم تكمل هجومها العسكري، بل تركت الباب مفتوحاً لانسحاب الفصائل المسلحة منها، ثم نشرت بعد ذلك عناصر الشرطة الشيشانية لحفظ الأمن في الجزء الشرقي من المدينة.

المثال الأقرب لما تريد روسيا فعله في الغوطة الشرقية، هو ما فعلته سابقاً في الغوطة الغربية، ودوما يريد الروس أن تكون شبيهة بحالة داريّا.

كيف ذلك؟ القرار 2401 الفارغ المضمون تقريباً، لماذا وافق عليه الروس؟ الجواب الأقرب هو وجود مئات آلاف المدنيين الذين سيتعرضون لمذابح وانتهاكات غير مسبوقة على يد قوات الأسد، ومن يسانده بريّاً من المليشيات الطائفية الشيعية الإيرانية والعراقية وغيرها، وسيكون صعباً على الروس مواجهة المجتمع الدولي عندما يحمّلهم مسؤولية هذه المذابح حال حدوثها، وعجزهم عن كبح جماح النظام وإيران عن اجتياح الغوطة، وذبح أهلها بالسكاكين كما تفعل المليشيات الشيعية عادة.

فهم النظام أن القرار 2401 لا يعني شيئاً، وتابع قصف الغوطة فيما جلسة مجلس الأمن منعقدة، وكأن شيئاً لم يكن، الروس لا يريدون ذلك، هم فقط كانوا يريدون من تعطيل القرار إلى أن صدر بهذه الصيغة الاستمرار في مشروع الهدن والمصالحات وخفض التصعيد، لذا وقبل مضي 24 ساعة على صدور القرار أعلن الكرملين وبأمر من الرئيس الروسي بوتين شخصيّاً هدنة إنسانية يومية اعتبارا من يوم الثلاثاء 27 شباط/فبراير من الساعة 9,00 وحتى 14,00"، بهدف تجنب الخسائر في صفوف المدنيين في الغوطة الشرقية، كما ذكر ذلك "شويغو" وزير الدفاع الروسي، بعد اجتماع الرئيس مع مجلس الأمن القومي.

أضاف "شويغو" أنه سيُفتح ممر إنساني لخروج المدنيين وتم تحديد الإحداثيات وسيتم الإبلاغ بها في أقرب وقت"، هذا هو مفتاح السر لقرار الرئيس الروسي بوتين، فبعد هذا القصف الوحشي والهمجي الذي تسبب بكل هذا الرعب والتدمير، فإن ساعات الهدنة اليومية ستفسح المجال لعملية نزوح واسعة من الغوطة الشرقية بشكل مطابق لما حدث في داريّا سابقاً، ومن يتلكأ في الخروج في الأيام الأولى للهدنة، لن يلبث أن يغادر حين معاودة القصف ومحاولات الاقتحام التي ستتكرر يوميّاً خارج ساعات الهدنة، وسيتم تفريغ الغوطة من أهلها باستثناء المقاتلين والمطلوبين أمنيّاً.

قد يعمد الروس إلى إجبار النظام على فتح مخيمات للنازحين واستقبالهم فيها، وتقديم ضمانات لأمنهم وسلامتهم، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية لهم، وتوفير العناية الطبية للجرحى والمرضى، وسيسمح للراغبين منهم بالانتقال إلى مناطق سيطرة النظام، أو نقلهم بالباصات الخضر إلى الشمال في إدلب، أو ريف حلب الشمالي.

سنوات الحصار الطويلة التي عانى منها المدنيون بشدة، واليأس من حدوث تغيير في المواقف الدولية يمنح الأمل للغوطة ألا يكون مصيرها كمصير قرى وادي بردى وغيرها من ريف دمشق، سيعجّل بتفريغها في عملية حقيقتها التهجير القسري الذي تورطت في تسهيله الأمم المتحدة في أكثر من مكان، والقرار 2401 حين لم يصدر بصيغة جازمة، وموعد محدد لوقف إطلاق نار حقيقي ومستدام وملزم لجميع الأطراف، فإنه يعتبر خديعة من الروس وقع فيها مجلس الأمن، فالأمر مخطط له من الروس مسبقاً، ولا يمكن تصور أن الهدنة المطروحة من بوتين هي التفاف فقط على القرار كما يتم الحديث عنه الآن، بل هو ما كان يسعى إليه الروس حين لم يصوّتوا بالفيتو على القرار، أو لم يمتنعوا عن التصويت عليه.

لا يوجد خيارات أمام المقاتلين فيما لو قرر المدنيون الخروج، لا يمكن منعهم من ذلك، والحل الوحيد العودة السريعة لمجلس الأمن بذريعة عدم تطبيق القرار، وخرقه من طرف النظام فور دخوله حيّز التنفيذ، ومحاولة الحصول على قرار جديد يجبر النظام على الالتزام به، فمثل هذا القرار ولو استخدم الروس الفيتو ضده، فإنه على الأقل يرفع التهمة عن الأمم المتحدة كونها شريكة في عمليات النزوح القسري التي ستجري في الغوطة، تمهيداً لسقوطها بيد النظام من جديد كما كان شأن داريّا.