السبت 2019/11/02

الأسد في مقابلته: “أنا الدولة والدولة أنا” و”يُهين” لجنته الدستورية!

كانت "خطابات" اللجنة الدستورية التابعة للنظام السوري كارثة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، كأنّ المتحدثين يقرأ كلٌّ منهم من ورقة أعدّت في واحد من فروع المخابرات السورية، ووُضعت له في جيبه وهو يصعد إلى الطائرة الروسية التي أقلّته إلى جنيف.

دارت أوراق وفد النظام حول خمس قضايا رئيسية:

الأولى: وهي الأهم على الإطلاق، والتي توالى الجميع تقريباً على ذكرها، وهي إرسال التحية لجيش النظام الذي دافع عن "الأرض والعرض، وأنه لولاه لما كانوا هنا"-حسب قولهم-

الثانية: رفع "التدابير القسرية أحادية الجانب" –كما وصفوها-والتي تعني العقوبات الاقتصادية الدولية المفروضة على رموز النظام وكبار الشخصيات العسكرية والأمنية فيه، وعلى عصاباته المالية المافياوية.

الثالثة: أن تعديل دستور عام 2012 -الذي وضعه النظام بعد بدء الثورة المطالبة برحيله-هو البند الأول على قائمة أعمال اللجنة الدستورية، وأنه من المهم أن ترى المعارضة مزايا هذا الدستور "العصري"، وبالطبع تلقّى الحاضرون في القاعة دروساً عديدة حول "تحفة" دستور 2012، وأن المصلحة الوطنية العليا تقتضي المحافظة عليه.

الرابعة: نقل أعمال اللجنة الدستورية إلى دمشق، باعتبار الدستور موضوعاً سيادياً، وبالتالي يجب أن يكتب على أرض الوطن.

الخامسة: محاولة تعطيل الاجتماع وإغراقه بتفاصيل ورقة "القواعد الإجرائية" التي أصدرتها الأمم المتحدة، وطلب التصويت عليها بنداً بنداً.

عرّف الوفد عن نفسه حسب الأوامر الصادرة قبل يومين أنه "الطرف المدعوم" من النظام، وليس "وفد النظام" كما هو معرّف في وثيقة الأمم المتحدة S/2019/775، وهي بعنوان "رسالة مؤرّخة 26أيلول/سبتمبر2019 موجّهة من الأمين العام إلى رئيس مجلس الأمن" لكن وأثناء انعقاد هذه الجلسة خرج الأسد في مقابلة على وسائل إعلامه الرسمية تحدث فيها مطوّلاً عن الوفد المشارك في جنيف ونافياً وبشكل مطلق أيّ صفة رسمية للوفد أنه يمثّل "الحكومة السورية" ومؤكداً حسب قوله أنّ " البعض يعتقد أن الطرف الأول هو الدولة السورية أو الحكومة السورية. لا، الطرف الأول هو الذي يمثل وجهة نظر الحكومة السورية، أما الحكومة السورية فهي ليست جزءاً من هذه المفاوضات ولا من هذا النقاش". ونافياً كذلك أي صفة قانونية للوفد بقوله: "هؤلاء أشخاص من نفس جو الحكومة السورية السياسي، ولكن هذا لا يعني أننا نحن كحكومة نفاوض. من الناحية القانونية نحن غير موجودين في اللجنة الدستورية".

الرئيس "القلِق" من اللجنة الدستورية كلها عموماً، ومن الوفد الذي ذهب من دمشق بغير إرادة الرئيس خصوصاً، ولكن بإرادات روسية وإيرانية، والرئيس الذي لم يبد تجاوباً للعملية السياسية برمّتها سواء تلك التي كانت تجري في جنيف برعاية الأمم المتحدة، أو الأخرى التي كانت تجري في أستانا برعاية الدول الثلاث الضامنة، والذي استمر يأمل أن يحدث حسم عسكري يقضي فيه على الرافضين لاستمرار حكم آل الأسد، عبّر في مقابلته عن قلقِه ومخاوفه من هذه اللجنة بقوله: " ربما تُستخدم اللجنة الدستورية وما سيصدر من نتائج عنها لاحقاً كمنصة انطلاق للهجوم وضرب بنية الدولة السورية. هذا ما يخطط له الغرب منذ سنوات ونحن نعرف هذا الشي" وأنه "ستكون هناك محاولة لتوجيه عمل اللجنة باتجاه معين. هذا شيء أكيد، ونحن واعون لهذا الشيء ولن نسمح به".

بنية الدولة التي يعنيها رأس النظام لا تعني بنية الدولة السورية حقيقة، بل تعني بنيته هو شخصياً-إن صحّ التعبير-أي ما يتعلق بموضوع بقائه في السلطة، وعدم المساس بصلاحياته، أو تقليصها بشكل من الأشكال، فتعريف الأسد للدولة هو بلا شك كما هو مأثور عن ملك فرنسا لويس الرابع عشر "أنــــــــــــــــــــــــــــا الدولــــــــــــــــــــــة والدولــــــــــــــــــــــــة أنــــــــــــــــــــــــا"، وهذا كان ظاهراً بوضوح في مقابلته حين تحدّث عن النتائج التي يخشاها من اللجنة الدستورية، وأنها ستكون "لعبة إضعاف الدولة وتحويلها إلى دولة لا يمكن أن تكون عليها سيطرة من الداخل وبالتالي تكون السيطرة عليها من الخارج".

الأسد الذي يعلم تماماً أنّ الأوان فات على مثل هذه "الهرطقة السياسية" ولو كان المخاطب بها حاضنته الموالية له في محاولة تهدئة غضبهم، أو إقناعهم بأنه لا يزال يرفض الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع من يسمّيهم "الإرهابيين"، ويعلم أنّ اللجنة الدستورية اليوم تحظى بمباركة وتأييد وإجماع دولي عليها بما في ذلك الروس والإيرانيين لذا انتقل إلى الأمر الثاني في مقابلته لتحجيم دور اللجنة والتقليل من شأنها ما دامت أمراً مفروضاً منه، وقدراً واقعاً لا مفرّ منه، لاءات الأسد تتالت في وجه عمل اللجنة، فهي " لا علاقة لها بموضوع الانتخابات. لها علاقة فقط بموضوع الدستور"، وفي ردّه على المبعوث الخاص أنّ اللجنة " تهيّئ لحل شامل" قال: " لا، هذا الكلام غير صحيح" ثم أضاف لا أخرى بقوله: " لا هذا الكلام مرفوض" وختم بالرفض المسبق لأي تعديل يمسّه بقوله: إذا كان تعديلاً للدستور ولو بنداً واحداً، ولكن هذا البند يقف ضد مصلحة الوطن فسوف نقف ضده ولن نسير به".

لا شكّ أن الأسد في مقابلته هذه قد أهان لجنته الدستورية إهانة بالغة، وجعلهم أشخاص لا يمثّلون سوى أنفسهم، ومع أنّ العديد منهم يشغلون مناصب رفيعة، ويمتلكون كفاءات أكاديمية عالية، إلّا أن هذا لا يعني للأسد شيئاً، ما لم يكن متيقّناً من ولائهم المطلق له، وهذا غير موجود بشأنهم، فعدا عن التدخل الروسي والإيراني في اختيارهم، فهم أيضاً سيعملون في جنيف، أي خارج نطاق سيطرة أجهزته المخابراتية التي تحصي أنفاسهم ونظراتهم عليهم.

أعضاء اللجنة المخدوعين بأنهم يمثّلون الحكومة السورية، أو الدولة السورية، لو كان الخيار بيدهم لانتقموا من "رئيسهم" وهم يسمعون إهاناته لهم شرّ انتقام، ولكتبوا دستورا لا يطيح به فقط من السلطة، بل يذهب به إلى محاكم العدل الدولية ليحاكم كأكبر مجرم حرب عرفه التاريخ، لكنّ عائلاتهم المرهونة في دمشق تنتظرهم، وهم يعلمون غدر النظام وأنه لن يوفّي باتفاقه مع الأمم المتحدة حول ضمان أمن وسلامة أعضاء اللجنة الدستورية في التزامه-القوي- "بضمان عدم خضوع أعضاء اللجنة الدستورية، وأقاربهم، والمنظمات السياسية، أو منظمات المجتمع المدني، أو الكيانات التي ينتمون إليها، للتهديد أو المضايقات ضد الأشخاص، أو القيام بأية أعمال ضد الممتلكات، بسبب يرتبط مباشرة بعملهم في اللجنة الدستورية".