الآن

يريدون مني العودة إلى بيتي! من رأى ليس كمن سمع

 كانت معامل الدفاع في ريف حلب هدفاً لنظام الأسد ومليشياته الطائفية حينها، وتم تعبيد الطريق إليها بدماء وجثث المدنيين، حيث ارتكبت عشرات المجازر التي راح ضحيتها مئات المدنيين معظمهم أطفال ونساء، بينما لاتزال عيون أمهات من اقتيدوا إلى أماكن مجهولة، تنتظر عودتهم، وتم تدوينهم في سجلات الذاكرة على أنهم مفقودون وليسوا أمواتا. 

هربت من السفيرة مع زوجها وأطفالها وعدد من العوائل الأخرى لتلجأ إلى قرية الجنيد التي كانت بمثابة "فخ" وقع فيه أكثر الهاربين لاعتقادهم أنها مازالت تحت سيطرة الجيش الحر، ولاسيما مع عدم إعلان قوات النظام السيطرة عليها، وانقطاع الكهرباء الذي أدى لانقطاع الاتصالات وذلك لعدم قدرة الضحايا على شحن هواتفهم المحمولة. 

(رسم النفل - الصماد - أم عامود كبيرة - أم عامود صغيرة - حقلة - القبتين - البوز - خناصر- سفيرة) أسماء قد لا تعني شيئا لبعضكم ولكن في الحقيقة هذه القرى دفعت من دماء أبنائها ثمنا باهظا لبطش وعنجهية نظام الأسد.

 

(سارة) ناجية من المجازر التي وقعت في القرى الواقعة على طريق معامل الدفاع، تحدثت بصوتها المتهدج المرتجف: "خرجت من السفيرة مشيا على الأقدام هربا بعائلتي ومعي زوجي وعوائل أخرى من سفيرة وكانت قرية الجنيد وجهتنا، وذلك لأننا كنا نظن أنها مازالت تحت سيطرة الجيش الحر، وما إن وصلنا بدأت أشم رائحة الموت تنبعث من كل شبر في القرية، ليقتاد عناصر لهجتهم أقرب إلى اللبنانية زوجي وجميع الرجال الذين كانوا معنا إلى مكان مجهول، بينما تم سوقنا كالأنعام نساء وأطفالا لنحتجز في غرفة واحدة مع من تبقى من نساء وأطفال قرية الجنيد، وليبدأ التحقيق مع الصغير قبل الكبير".

كانت حركة أحرار الشام وفصائل من الجيش الحر هي التي تسيطر على طريق خناصر، وبعد معارك طويلة مع النظام بدأ الجيش الحر بالتراجع ولاسيما مع استقدام النظام تعزيزات كبيرة من عناصره، ومن مليشيات حزب الله اللبناني، كانت آخر وأقوى المعارك بين الطرفين هي معركة "البوز" التي انسحب بعدها الثوار من المنطقة وأبلغوا الأهالي بضرورة الهرب خوفا من بطش نظام الأسد، في حال دخوله إلى القرى المتبقية على طريق معامل الدفاع.

بعض الأهالي أخذوا التحذيرات على محمل الجد وبدؤوا بالبحث عن مهرب  لعوائلهم وكانت قرية "حقلة" هي المنفذ الوحيد الرابط بين مناطق سيطرة الجيش الحر والمناطق التي استولى عليها النظام خلال حملته الأخيرة، ولكن المدفعية وراجمات الصواريخ التي بدأت قصفها واستهدافها لكل ما يتحرك على الأرض لم يمكن الأهالي الفارين من بلوغها، ليعودوا أدراجهم إلى قرية الجنيد التي كانت مقبرة الكثير منهم. 

بالمقابل لم يصدّق بعض الأهالي من مؤيدي النظام تحذيرات الجيش الحر، وبقوا في منازلهم وحضروا أعلام النظام وصور بشار الأسد فرحا بانتصاراته، ولم يضعوا بالحسبان ما سيحصل خلال الساعات التي وصل النظام بها إلى القرية.

أكدت سارة أن النظام وقبل وصوله إلى قرية الجنيد كان قد أباد قرية بأكملها 208 مدنيين في قرية رسم النفل ولم يكن جميع الذين تجمعوا في قرية الجنيد يعلمون بها لانقطاع الاتصالات.

 

بدا التوتر يظهر على وجه سارة عندما أخذت تتحدث عن وصول رتل النظام ودخوله إلى قرية الجنيد بينما كانت تختبئ مع عائلات من القرية في منازل على أطراف القرية، ارتجفت أثناء حديثها وقالت : "مرق الرتل بسلام اول يوم وكنا متخبين ببيوت ناس من قرية الجنيد وما شافونا  بآخر الضيعة لكن بنفس اليوم اتجه 5 رجال من رجالنا ليشوفو الطريق واذا فينا نطلع  للأسف كان مصيرن هو الموت والتعذيب وقطع الرؤوس وإلقاء جثثهم في بئر ماء من قبل عصابات الأسد لأن المنطقة إلي اتجهو عليها ع أساس كانت للحر، كانوا من بيت الجلوس وأسماءهن على ما اذكر "علي   ومحمد وحسن واحمد وخليل"، وبدأت بالبكاء عندما تحدثت عن مصيرهم الذي اكتشف فيما بعد، وقالت : "محمد وحسن وخليل مقتولين ومكبلين ومرمين بالبير، طبعا حسن وخليل كانوا مذبوحين ذبح، ومقطوع راسهن، ومحمد رابطين سلك برقبته وشانقينه فيه ومكبلينة لورة ومطمشين عيونه".

استجمعت سارة قواها بعد انهيارها لتتابع : "بعد ذهاب الرجال عرفنا أن النظام أخذ المنطقة،  وما بقي فيها جيش حر وكانت أكبر مصيدة، هي الضيعة لأن كانت الأهالي تتجه عليها ع أساس فيها جيش حر لكن كان بانتظارهم النظام، و موبايلاتنا فضت من الشحن ومانعرف شو في".

 

أضافت سارة : "حقلة كانت المنفذ لكتير ضيع غيرها  لهيك صارت فيها مجازر مو بس هي  كان في بالبيرة كتير عالم وفي ناس محروقة حوالي ٢٩ شخص"

تابع: "مرق اول يوم بسلام هيك كنا مفكرين وماكنا نعرف بمقتل الاخوة الخمسة من بيت الجلوس الي راحو يكتشفو الطريق وفقنا تاني يوم وهدوء بالضيعة  ولي راحو يكتشفو الطريق مارجعو لهيك بقينا مانعرف نطلع والا نبقى  فقنا الساعة ٧ الصبح ع صوت انفجار  بطريق الضيعة الي هو طريق الرتل ع معمل الدفاع كان الجيش الحر لغم الطريق  وفجأة  صار الرصاص علينا متل المطر والنظام دخل علينا لجوّا الضيعة كنا شي ٥٠ شخص  بين نساء واطفال وختايرة ورجال  تم اقتيادنا كلنا لمكان واحد وتم عزل كلشي فوق ١٢ سنة من الذكور والنساء والأطفال لحال وتم ضرب الرجال وتكبيلن واقتيادن لجهة مجهولة ولحد اليوم ما نعرف مصيرهم".

 

ارتفعت حدة صوتها وواصلت:" ماكنا بس نحن من السفيرة وجايين عالجنيد، كان في ناس مرارين طريق دخلوا الضيعة كمان تم اقتيادن مع باقي رجال الضيعة" وبدأت بالبكاء: " وتم وضع النساء معانا تم احتجازنا من الساعة ٨ الصبح للساعة ١ الظهر كلنا بغرفة فوق بعض وتم التحقيق معنا وانو شو عم نعمل وانو نحن عم نقاتلهم ونحن فجرنا الطريق وكل شوي يهددونا انو راح نزت قنبلة بنص الغرفة ونخلص منكم  وكان يقولنا مبارح قتلنا ضيعة كاملة فينا نقتلكم بسهولة وبعدها تم تفريقنا كلمن ابيت وتحت المراقبة"

 

"عيسى" أحد عناصر النظام كان من الطائفة المسيحية وكان يعلق صليبا في حلقه، لم تعرف سارة كيفية وصف موقفه وروت ما جرى وكأنها تتحدث عن حلم حين قالت: "الساعة ٣ صار دور المراقبة" على الجندي  عيسى من الطائفة المسيحية وقال نصيحة خواتي اطلعو جايكم ليل ومابضمن شو بيصير  روحوا اهربوا بارواحكم  وانا راح روح للمقر خلال عشر دقايق لازم تكونو برى الضيعة اذا اجو ولقوكم عم تهربوا راح يقتلوكم".

مسحت دموعها وأضافت: "جمعنا حالنا وهربنا حفيانات ونركض كنا صايمين نص شعبان وفي حرمة كببرة عاجزة ماقدرت تطلع واضطرت بنتها ومرت ابنها واولادهن يبقو معها وكانوا مأمنين للنظام مارح يحاكوهن  لكن بعد ابتعادنا عن الضيعة بمسافة قصيرة  شفنا متور فيو عساكر دخل ع البيت الي فيه الختيارة وشفنا الدخانة مع انو ماكنا بعيدين لكن كان الشبيحة يخافو يعبرو هذا الطريق الي مشينا عليه لانه كان تحت سيطرة احرار الشام  وهنن اجبن من انهن يغامروا بأرواحهم".

 

خرجنا من دائرة الخطر وتم استقبالنا من قبل عناصر الجيش الحر، وتم نقلنا على دفعات إلى قلب مناطق الحر، في قريتي أبو اجرين وأبو دريخة".

استعاد الجيش الحر السيطرة على القرى التي خسرها بعد شهرين ليعود الأهالي أو من تبقى منهم ليجدوا آثار المحرقة التي ارتكبتها قوات النظام والمليشيات الطائفية فيها.

ختمت سارة حديثها بالقول: ماصورته عدسات الإعلاميين بعد سيطرة الجيش الحر على المنطقة من رماد الجثث المحترقة، والجثث الملقاة في الآبار، لم تكن لتوصل صورة ما شاهده الأطفال والنساء، فقد رأينا الموت وعشناه، واليوم.. يريدون مني العودة إلى بيتي وقريتي الخاضعة لسيطرة النظام.. فأجيب: من سمع ليس كمن رأى.. وأنا من رأت لا أنتم.