منذ ساعتين

مظاهرة دير الزور الأخيرة.. بين المشكك والمشجع

مظاهرات الجمعة في منطقة الجزيرة شرق الفرات، وتحديداً منطقة الصالحية في المدخل الشمالي لمدينة دير الزور، كانت ملحمةً جدّدت الأمل بولادة الثورة ضد نظام الأسد من جديد لدى البعض، في حينَ اعتبرها آخرون مسيسة وتنفيذاً لأجندة "قسد".

لا يختلف اثنان حول قضية أن التسهيلات للمتظاهرين للوصول إلى حواجز النظام في الصالحية شمال دير الزور كانت واضحة من قبل عناصر الحواجز التابعة لـ "قسد"، ولكن ما لا يعرفه كثيرون أن عناصر هذه الحواجز ليسوا سوى أبناء المنطقة وأبناء العشائر التي تسكن القرى الخاضعة لقسد بعد طرد تنظيم الدولة، وبينهم أبناء المناطق التي تسيطر عليها قوات النظام والمليشيات الإيرانية، وقد طفح بهم الكيل مما رأوه من تصرفات وتجاوزات كان على رأسها صبغة المنطقة بالصبغة الشيعية.

ولكن من جانب آخر لم ولن يكون هناك قوة تجبر مواطنين مدنيين على الخروج ضد نظام قاسوا منه سابقاً في بدايات الثورة عامي 2011 و2012 مرارة القتل لمتظاهرين سلميين لم يحملوا السلاح إلا بعد أن رأوا من الموت والقتل والتنكيل ما أجبرهم على حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم.. ومن يقول إن "قسد" دعت للتظاهر ضدَّ الأسد، فهو مخطئ تماماً وفق ما أكّده منسقو التحرك الشعبي لأهالي القرى التي ترزح تحت نير عبودية آل الأسد ومليشيات إيران في شرق الفرات والمتمثلة بقرى (الحسينية- الصالحية-حطلة-مراط-مظلوم -خشام-الطابية).

فقد بدأ التجهيز للمظاهرات قبل أسبوع إثر الحرب الإعلامية بين شبيحة النظام وقادة عرب من "مجلس دير الزور العسكري" حول المناطق التي تسيطر عليها قوات النظام والمليشيات الإيرانية شرق الفرات، وبادر بعض الثوار بإطلاق مبادرة عبر غرف "الواتس آب" انتشرت من خلالها الدعوات للتظاهر وساهمت بعض الصفحات الإعلامية بنشرها عبر منصاتها.

وتم تجهيز اللافتات خلال اليومين الماضيين من قبل ناشطين ثوريين بعضهم من أوائل الثوار وكان هناك رضا من قبل قسد عن ذلك من خلال تشجيعهم للمبادرة وغض الطرف عن التظاهر وهي ليست عادتهم.

انطلقت المظاهرات صباح الجمعة 20- 9-2019  بشكل خجول حيث توجه بعض الناشطين منذ الساعة العاشرة لتجهيز خيمة الاعتصام قرب معبر الصالحية، وكانت الأعداد في بداية الأمر محدودة بسبب وصول تهديدات من النظام للمتظاهرين بتدمير بيوتهم وبيوت أقاربهم في البلدات الخاضعة لسيطرته، لتنطلق بكثافة من قريتي معيزيلة باتجاه دوار المعامل حيث بدأت الجموع تتوافد بعد ذلك من ريفي دير الزور الشمالي والغربي ويمثل النازحون أغلبهم،  ساروا بعد ذلك على شكل رتل باتجاه حاجز الصالحية الذي يفصل بين قسد وقوات النظام حيث لا تتجاوز المسافة بعض مئات الأمتار بينهم وكانت قسد قد أغلقت المعبر قبل أيام بالسواتر الترابية.

المظاهرة بدأت بهتافات ضد النظام وإظهار مطالب المحتجين المتمثلة بتحرير مناطقهم من سيطرة النظام والمليشيات الإيرانية، ولكنّ هذا الشكل من التظاهر لم يطُل، وعرف الأهالي المتظاهرون أن صوتهم لن يصل ولاسيما مع ضعف التغطية الإعلامية لهذه المظاهرات، ما دفع بعض الشباب المندفعين لتجاوز الساتر الترابي ، ولم يمنعهم عناصر قسد الذين كان لهم رضا في ذلك لينجح بعدها بعض المتظاهرين بالوصول إلى حاجز النظام الأول المسمى " الفيش" حيث تراجعت قوات النظام إلى الحاجز الثاني، ما شجع المتظاهرين جميعاً للتقدم أكثر بصدورهم العارية، وقاموا بإحراق الحاجز وتكسير محتوياته، ومالبثوا أن وصلوا الحاجز الثاني في كازية الصكر، حيث دارت ملاسنات مع أحد ضباط النظام وعناصره ومع تزايد الضغط على الضابط والعناصر وخوفه مما قد يفعله الثوار، هرب من نقطة تواجده نحو الخلف حيث وصلت تعزيزات من قوات النظام والمليشيات الطائفية، وبدؤوا بإطلاق النار على المتظاهرين في مشهد أعاد للأذهان انطلاق المظاهرات في دير الزور ريفاً ومدينة، ليستشهد على إثر ذلك مدني ويصاب آخرون.

وعاد المتظاهرون حينها إلى مناطق "قسد" لكنَّ عودتهم هذه المرة لم تكن عودة الخائبين، بل عودة المنتصرين، تكلّلهم جراحهم التي أعادت للثورة صحوة لا يتوقع عاقل أنها ستتوقف عند هذا الحد، فقد بدأت دعوات لمظاهرة مماثلة الجمعة القادمة.. ما قد يكون سبباً في انسحاب قوات النظام إلى غرب الفرات، تاركين خلفهم أراضي حررها الثوار ذات ربيع، لتتوالى عليهم المؤامرات التي دعتهم لخسارتها أمام ضربات النظام وتنظيم الدولة وروسيا والتحالف الدولي.

لم تكن هذه المظاهرات إلى صدمة كهربائية أعادت النبض لقلب الثورة الذي ظن الكثير من المثبطين والمحبطين أنه مات، ولكن ما حدث في ريف دير الزور.. يثبت أن الثورة حيّة.. لن تموت.