الثلاثاء 2021/03/23

الثورة السورية والغانديون الجدد

قبل الحديث عن ظاهرة العسكرة في الثورة السورية، لا بدّ من الحديث قليلًا عن تركيبة النظام الأسدي، نظام الأب والابن، فقد استولى حافظ الأسد على السلطة، عبر انقلاب عسكري في تشرين الثاني عام 1970، مستفيدًا من نظام رفاقه في البعث (1966 -1970) وما خلقه من استياءٍ شعبي وعزلة على المستوى العربي نتيجة لخطابه “اليساري” المعادي للإمبريالية وإسرائيل، فتوجّه الأسد بخطابٍ يتودّد فيه إلى الناس في الداخل، ويفتح علاقات جديدة مع الدول العربية، خاصة مصر والسعودية، وبذلك مهّد لنظامه حالة من القبول الشعبي والعربي، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، وهي الأهمّ، باشر بترتيب الجيش وفروع الأمن وفق استراتيجية جديدة: الكل يراقب الكل، والرئيس هو المرجع للجميع. بالطبع، كان ترتيبه للجيش وللإدارات الأمنية يقوم على خلق نواة طائفية في قيادتها، كما سعى لإجراء توسعة للجيش من خلال خلق وتوسيع وحدات عسكرية شبه مستقلة عن الجيش (سرايا الدفاع)، يقودها أخوه، رفعت، وعقد للمرة الأولى صفقة مع المرشديين أتاح لهم فيها ممارسة طقوسهم المذهبية، مقابل التطوّع في وحدات عسكرية خاصة (سرايا الصراع) حديثة النشأة (1973) بقيادة ابن عمه عدنان الأسد، ويمكن القول إن الأسد -بهذه الترتيبة- أوقف عمليات الانقلابات العسكرية بالكامل.

 

كانت المواجهة الأولى للأسد مع الشارع، بعد دخوله إلى لبنان عام 1976، إذ ظهرت مواقف رافضة لتدخله من بعض النقابات وبعض التيارات السياسية، وقد أظهر منذ البداية عدم تساهل تجاه من لا يؤيده. وتعمقت هذه المواجهة، في آواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، مع ظهور التمرد المسلح لجماعة “الطليعة المقاتلة”، ومع الاحتجاجات الشعبية الأخرى (عموم النقابات المهنية) والإخوان المسلمين، وظهور تيار سياسي ديمقراطي جديد يدعو إلى عملية التغيير الديمقراطي، كوسيلة للخلاص من الاستبداد والخروج من الأزمة التي تعيشها البلاد. وكان ردّ الأسد أكثر عنفًا، وتمثل بالمواجهة العسكرية مع جماعة “الطليعة المقاتلة”، وبحملة اعتقالات واسعة تجاه جميع التيارات الأخرى (الإخوان المسلمين، بعث العراق، أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي، حزب العمل الشيوعي)، فامتلأت السجون وأقبية الفروع الأمنية بالمعتقلين، حيث تعرّضوا لصنوف مرعبةٍ من التعذيب حتى الموت، وتوّج الأسد تلك الجرائم بمجزرة سجن تدمر في تموز 1980.

 

عام 1982، في شباط/ فبراير، اتخذت المواجهة شكلًا أكثر وحشية، بعد أحداث مدينة حماة، إذ لجأ الأسد إلى أسلوب جديد في المواجهة، لا يمكن وصفه إلا بأنه حالة إبادة، وخلق حالة ديموغرافية جديدة نفذتها الوحدات العسكرية شبه المستقلة (سرايا الدفاع والصراع)، وكانت مدينة حماة أولى الضحايا، حيث دمّر ما يقارب من نصف المدينة، وقتل ما يقرب من (25) ألف وهجّر أضعافهم، وأعاد بنائها وفق تخطيط عمراني وتنظيم سكاني جديدين. بعدها، غاصت البلاد في حالة من الركود والخوف، حتى صارت البلاد كلها “مملكة للرعب والصمت”، وبات السجن إلى أجل غير مسمّى مصيرَ كلّ من يكتب أو يقول كلمة تزعج السلطة. وحينذاك عرف السوريون أنهم يعيشون تحت سلطة احتلال أكثر قساوة من سلطات الاحتلال الأجنبية التي عرفوها أو قرؤوا عنها، حيث أطبق النظام سيطرته على عموم مفاصل الحياة السياسية والاجتماعية، لدرجة تتجاوز سيطرة المحتلين، حتى إن موازنة تلك الجرائم مع جرائم الاحتلال الإسرائيلي تفضي إلى رجحان كفة النظام الأسدي، وهو ما عبّر عنه الشيخ رائد صلاح، في بدايات الثورة السورية عام 2011، عندما قال: “هناك احتلال وهنا احتلال!”، وما عبّر عنه الأسير السوري، في الآونة الأخيرة، من رفض العودة إلى دمشق يكشف عن بشاعة الاحتلال الأسدي..

 

ومع انطلاقة الثورة في آذار/ مارس 2011، كان نظام الأسد الابن واضحًا في تعامله معها، وفي ردّه على المطالب التي نادى بها السوريون: الكرامة والحرية، حيث اختار المواجهة العنيفة والبطش حتى الإبادة منذ البداية، بقصد وأد الثورة من بدايتها، فكانت الاعتقالات والتعذيب المرعب في الفروع الأمنية، تلاها مباشرة، مع تصاعد التظاهرات، المواجهة بالرصاص الحيّ؛ فتقلّصت الخيارات أمام السوريين عمومًا، وبخاصة المتظاهرين، وباتوا أمام أمرين أحلاهما مرُّ: إمّا الاستمرار في التظاهرات السلمية وتحمّل نتيجتها (القتل أو الاعتقال والموت تحت التعذيب، مع تلقي إهانات عميقة يصعب أن تندمل، كما حصل مع ذوي أطفال درعا)، وإما التراجع عن مطالبهم، وانتظار دورهم في التصفية مستقبلًا، حيث سيتمكّن النظام -بعد انحسار التظاهرات- من وأد الثورة. وأمام هذه الفظائع التي توازي أو تفوق أحيانًا ما ارتكبته أبشع جيوش الاحتلال على مرّ التاريخ؛ ظهرت أسئلة ملحّة: هل بات اللجوء إلى السلاح خيارًا، أم طريقًا أساسيًا لا بدّ منه للخلاص من هذا النظام؟! وهل يمكن أن تؤدي التظاهرات السلمية وحدها إلى أهداف الثورة؟!

 

بالطبع، يعرف كثيرٌ من السوريين الجواب، وهم عرفوه من ساحات التظاهر ومراكز الاعتقال، وهم من كانوا عزّلًا طوال أشهر يصدحون بأصواتهم فقط، ومنهم من جرّب توزيع الورود على عناصر الجيش للدلالة على أن المواجهة هي مع نظام الأسد فقط، وليست مع عناصر الجيش، ورغبة في إمكانية تحييد الجيش! ومعروف للجميع النتيجة: اقتلاع الحناجر وانتزاع الأرواح.

 

يخلط كثيرٌ من منتقدي “العسكرة” بينها وبين “الأسلمة”، بقصد أو بغير قصد، متذرّعين بالوقائع التي حصلت لاحقًا في سوريا، وهي هيمنة النزعة الإسلامية على الفصائل العسكرية عمومًا، وظهور التيارات الإسلامية الجهادية التي تمكنت من ابتلاع الجميع، وهيمنت على المشهد إلى حد كبير. بدأت هذه الموجة من “الانتقادات” والاتهامات من تيّاراتٍ تعاني حالة خللٍ بنيوية في النظرة إلى المجتمع السوري عمومًا، كمجتمع غالبيته من المسلمين، وتجاه الحركات الإسلامية خصوصًا من دون التفريق بينها، وكأنها كتلة واحدة معادية لديمقراطيتها وعلمانيتها. ومن ناحية أخرى، استخدمت تلك الانتقادات كتبريرٍ عن انسحاب تلك التيارات من المواجهة التي أصبحت عسكرية، ولجوئها إلى منابر النصح والقيادة من بعيد؛ فكان ميدانها الوحيد توزيع الاتهامات والأحكام تجاه حركة السوريين العسكرية.

 

الأمر المهم، الذي يجب نقده ومواجهته، ليس العسكرة، إذ لا غنى عنها في مواجهة أنظمة على شاكلة نظام الاحتلال الأسدي، وإنما هو انسحاب النخبة “الديمقراطية” التي لديها تصور لا يتزحزح عن نمطية الثورات، والأمر الثاني، وهو أكثر أهمية، التدخلات الإقليمية والدولية التي تمكنت من تجزئة العمل العسكري وأخذه رهينة لمصالحها فيما بعد. بالطبع، لم تكن تلك “النخب” الديمقراطية واليسارية بعيدة عن حالة الارتهان، فقد كانت غائصة فيها حتى أذنيها، لدرجة الاستنقاع، ولربما تبرع بعض من “تياراتها” في أعمال أخرى، تعبيرًا عن التزامه وتبنيه لقيم الحداثة: “الديمقراطية والعلمانية”. وهو ما خلق حالة انقسام بين تلك “النخب وهيئاتها” والقواعد الشعبية في البلاد ما نزال ندفع ثمنًا لها حتى اللحظة.

 

يُذكّرنا الموقف من العسكرة الذي تبناه كثيرون، وخصوصًا التيار “اليساري”، بموقف المهاتما غاندي وفلسفته في المقاومة، في مسعاه إلى تحرير بلاده الهند “درّة التاج” من المستعمر البريطاني، إضافة إلى ما كتبه في تبرير ممارساته تجاه أنصاره. حيث تتجلى “فلسفة” غاندي في نزوعه نحو اللاعنف والصوم والتقشف والتحمل، في مواجهة أعتى الهجمات من البريطانيين. مؤسسًا لنموذجه في المقاومة غير العنيفة أو السلمية، التي يسميها البعض المقاومة السلبية؛ وقد دفع هذا النزوع في المقاومة غاندي إلى النظر سلبيًا إلى أي شكل آخر غيره، وخاصة المقاومة المسلحة، وهو الأمر الذي وضعه من ناحية أولى بمواجهة حركات أخرى قاومت الاستعمار البريطاني، ولربما كان لها دور ملحوظ في إجبار البريطانيين على الانسحاب من الهند، ومن ناحية أخرى وسم “فلسفته” بالنخبوية المتعالية على عموم الناس، وخاصة الفقراء منهم، إلى درجة أنه وصفهم بـ “الرعاع” الذين يثيرون البريطانيين ضد الهنود، بمنطق يحمّل الضحية مسؤولية عنف المستعمر.

 

إنّ نظرة متفحصة بسيطة، إلى تركيبة النظام الأسدي، توصل ببساطة إلى أنها سلطة احتلال ليس إلا، ولا شك في أنّ من حق الشعوب أن تقاوم سلطات الاحتلال، بكل الطرق المشروعة، ومنها السلاح، وما حدث من فوضى وارتهان لتجربة التسليح في سورية لا يلغي هذا المبدأ، وإنما يدعو إلى تنظيمه واستقلاليته قدر الإمكان، ورفض ارتهانه بالكامل. أما تخيل إمكانية الخلاص من مثل تلك الأنظمة بالتظاهرات السلمية كالتي جرت في أوروبا، أو حتى في تونس، فهو أمرٌ يشير إلى عدم معرفة طبيعة هذا النظام بالمطلق.

 

لربّما يدرك اليوم “الغانديون الجدد” في سورية، أصحاب تلك الأطروحات، قبل غيرهم، عدم جدوى التظاهرات السلمية وحدها في الخلاص من النظام الأسدي، ولكن إصرارهم عليها مع اتهام الآخرين بسببها يعكس صورة لحالة العزلة من جهة، وللعداء تجاه الجمهور “المتخلف” والخوف منه، من جهة أخرى، وهو ما نجده في عزوف البعض عن حراك الشارع من جهة، وتقارب البعض من مواقف النظام ضد هذا الجمهور “المتخلف”، إضافة إلى الدعوات إلى الحوار وكتابة الدستور والحفاظ على مؤسسات الدولة وغيرها من الصيغ التي تبتعدُ من جوهر صرخات السوريين المعبّرة عن الرغبة في التحرّر من طغيان الاحتلال الأسدي، وتكرّس للاستبداد، ولو بأشكال أخرى.