الأحد 2019/11/17

تظاهرات لبنان تبدأ شهرها الثاني بـ”أحد الشهداء”

مع اتمام التظاهرات المطالبة برحيل الطبقة السياسية في لبنان شهرها الأول، تراوح الأزمة السياسية مكانها دون أي بوادر لحل قريب، ولا سيما بعد سحب اسم الوزير السابق "محمد الصفدي" من التداول لتشكيل حكومة جديدة، تحت ضغط الشارع وتبادل القوى السياسية الاتهامات بالتعطيل.

ويشهد لبنان منذ 17 تشرين الأول/أكتوبر تظاهرات شعبية غير مسبوقة بدأت على خلفية مطالب معيشية، في حراك بدا عابراً للطوائف والمناطق، ومتمسكاً بمطلب رحيل الطبقة السياسية بلا استثناء، على وقع أزمة اقتصادية ومالية خانقة.

وخرج آلاف اللبنانيين إلى الشوارع بعد ظهر اليوم الأحد في وسط بيروت، وفي طرابلس والمنية شمالاً، وفي صيدا والنبطية جنوباً، وفي تعلبايا شرقاً، تحت عنوان "أحد الشهداء"، تكريماً لمتظاهرين قتلا منذ بدء الاحتجاجات، آخرهما الثلاثاء برصاص عسكري خلال مشاركته في قطع طريق حيوي جنوب بيروت، ما أثار غضباً شعبياً واسعاً.

وفي وسط بيروت، أكد "قاسم قاسم" إصراره على مواصلة التظاهر حتى رحيل الطبقة السياسية. وقال لوكالة فرانس برس "تحقيق المطالب يحتاج الى وقت طويل، يعيش الناس منذ سنوات في مرارة واليوم نزلوا الى الشارع لتحقيق مطالبهم".

وفي مدينة طرابلس (شمال) التي شكلت مركزاً رئيسياً للتظاهر منذ شهر، قال خالد صباغ (26 عاماً)، لفرانس برس صباح الأحد "بعد مرور شهر كامل على الانتفاضة الشعبية وفشل كل مساعي السلطة للالتفاف على مطالب المتظاهرين، نحن اليوم أمام مرحلة جديدة من التحديات، والوضع بحاجة إلى حنكة وحذر شديدين من الثوار".

وأضاف "علينا قطع الطريق أمام مشاريع السلطة لتفريق صفوفنا وتأكيد إصرارنا على مطالبنا وعدم التراجع عنها مهما ارتفع منسوب الضغط، إلى حين تحقيق الشعب لانتصاره كاملاً على هذه السلطة".

وتحت ضغط الشارع، استقال رئيس الحكومة سعد الحريري في 29 تشرين الأول/أكتوبر، لكن تأخر الرئيس اللبناني ميشال عون في تحديد موعد لبدء الاستشارات النيابية الملزمة لتكليف رئيس جديد للحكومة يثير غضب المحتجين.

وتفاقمت النقمة الشعبية بعد تسريبات وتصريحات قبل أيام أكدت توافق القوى السياسية الرئيسية في البلاد على تكليف الوزير السابق محمد الصفدي (75 عاماً) بتشكيل الحكومة، قبل بدء الاستشارات بموجب الدستور.

وعلى وقع ردود الفعل الشعبية الغاضبة، طلب الصفدي الذي يعدّ من أبرز رجال الأعمال والأثرياء في لبنان، في بيان ليل السبت سحب اسمه من التداول كأحد الاسماء المرشحة لرئاسة الحكومة، آملاً تكليف الحريري مجدداً.

واتهم الحريري من جهته في بيان الأحد التيار الوطني الحر الذي يترأسه وزير الخارجية جبران باسيل، صهر الرئيس اللبناني، باتباع "سياسة المناورة والتسريبات ومحاولة تسجيل النقاط".

وقال الحريري "لو قام بمراجعة حقيقية لكان كف عن انتهاج مثل هذه السياسة (...) ولكانت الحكومة قد تشكلت"، مؤكداً أنه في حال تسميته مجدداً، سيشكل حكومة من اختصاصيين (تكنوقراط).

وكان عون اقترح في حوار تلفزيوني الثلاثاء تشكيل حكومة "تكنو-سياسية". وتكلم بنبرة اعتبرها المتظاهرون "استفزازية"، منتقداً عدم وجود قياديين يمثلون المتظاهرين ليتحاوروا مع السلطة، في وقت يفخر المحتجون بأن تحركهم عفوي وجامع ويرفضون أي حوار مع السلطة الحالية.

ويصر المتظاهرون على تشكيل حكومة خبراء (تكنوقراط) مستقلة بعيداً من أي ولاء حزبي أو ارتباط بالمسؤولين الحاليين. وإثر اقتراح عون، تدفقوا إلى الشوارع وقطعوا طرقات رئيسية في البلاد، قبل أن يتدخّل الجيش لفتحها بالقوة ويوقف العديد من المتظاهرين.

وقال متظاهران على الأقل بعد اخلاء سبيلهما، إنهما تعرضا للضرب والإهانة بعد اعتقالهما لدى مخابرات الجيش.

وفي أول موقف له منذ بدء التظاهرات، قال قائد الجيش العماد جوزيف عون خلال تفقده قطعات عسكرية في منطقتي بيروت وجبل لبنان الاحد، إن "إقفال الطريق أمر غير مسموح به"، موضحاً أن التوقيفات "شملت عناصر عملت على إحداث شغب وواجهت الجيش وحاولت منعه من تنفيذ مهمّته وتعرّضت له".

وتترافق الأزمة السياسية مع وضع اقتصادي متردّ للغاية وأزمة مالية، تجاوز معها سعر صرف الليرة مقابل الدولار في السوق السوداء 1800 ليرة، بعدما كان مثبتاً منذ عقود على 1507.

وبعد إغلاق أسبوعين على وقع الاحتجاجات التي لم تسلم منها، فتحت المصارف أبوابها بداية الشهر الحالي لأسبوع واحد فقط، فرضت خلاله إجراءات أكثر تشدداً على بيع الدولار، ثم أغلقت ليومين بحجة عطلة رسمية.

وينفذ موظفو المصارف منذ الثلاثاء الماضي إضراباً مفتوحاً احتجاجاً على إشكالات مع مواطنين راغبين بسحب مبالغ من ودائعهم. ولم يعد بإمكان المواطنين الحصول على الدولار من الصراف الآلي. كما تفرض المصارف رسماً إضافياً على عمليات سحب الدولار المحدودة جداً مباشرة منها.

والجمعة، خفضت وكالة التصنيف الدولية "ستاندرد آند بورز" تصنيف لبنان إلى "سي سي سي" من "بي سلبي"، مع نظرة مستقبلية سلبية.

وأقفلت المدارس والجامعات أبوابها بشكل كامل خلال أول أسبوعين من التظاهرات قبل أن تفتحها بتقطع أمام طلابها خلال الأسبوعين الأخيرين.