الأربعاء 2020/05/13

السعودية.. هل انتهى “نموذج الرفاه”؟

فيروس كورونا وانهيار أسعار النفط يؤثران بقوة على الميزانية الحكومية السعودية. المملكة أعلنت عن رفع للضرائب واقتطاعات كبيرة تؤثر على المواطن العادي، ما يعني نهاية نموذج الرفاه السعودي. فما تأثير ذلك على مستقبل ابن سلمان؟

رفع قيمة الضريبة المضافة من 5 إلى 15 في المئة ابتداء من يوليو/ تموز المقبل وتخفيض نفقات الدولة بنحو 25 مليار: بهذه الإجراءات "الراديكالية" التي تُطيح بنموذج دولة الرفاه، تردّ السعودية على الركود الذي تسببت فيه أزمة كورونا وانهيار سعر النفط الخام. ومنذ الربع الأول من العام الجاري كان على المملكة تحمل خسائر هائلة.

فبعدما تراجعت عائدات النفط بحوالي الربع، تقلصت عائدات الدولة بحوالي الربع. وسجلت الميزانية الحكومية عجزاً بنحو 8.3 مليار يورو. وحتى المدخرات النقدية للبنك المركزي تراجعت: ففي مارس وحده تم تسجيل خسارة بـ 27 مليار دولار ـ أضعف مستوى منذ 2011.

ويعود هذا التطور بالأساس إلى سعر النفط المنخفض. فبعدما تراجع قبل أزمة كورونا بسبب ضعف الطلب، انهار في خضم الركود الذي تسبب فيه فيروس كورونا ومعركة الأسعار المشتعلة بين السعودية وروسيا. وفي أبريل/ نيسان وصل سعر البرميل الواحد إلى أقل من 20 دولاراً، لكنه في الأثناء تعافى وصعد إلى 30 دولار للبرميل الواحد.

وفي يناير/ كانون الثاني كان سعر البرميل الواحد يصل إلى 66 دولاراً، لكن حتى هذا السعر لم يكن مواتياً بالنسبة إلى المملكة، لأنه لضمان ميزانية متكافئة تحتاج الرياض حسب معطياتها إلى سعر نفط بحدود 60 دولاراً، وصندوق النقد الدولي ينطلق من 76 دولاراً.

إجراءات الحجر الصحي أثرت سلباً على الحركة الاقتصادية في المملكة المتعثرة أصلاً

نهج التوفير: "كل الإمكانيات مفتوحة"

ومنذ بداية مايو/ أيار لجأ وزير المالية السعودي محمد الجدعان إلى إعداد السكان لتحمل اقتطاعات. "يجب أن نكون مستعدين اقتصادياً ومالياً لمواجهة هذا الوباء والوضع المحرج إضافة إلى التأثيرات المؤلمة على الناس والقطاع الخاص"، كما ذكر الوزير في مقابلة مع قناة "العربية". وأوضح أنه يعتزم احترام الحاجيات الأساسية للسكان، موضحاً أن جميع "الإمكانيات مفتوحة".

وهذا الركود الاقتصادي له تأثيرات كبيرة اجتماعياً واقتصادياً على المملكة، كما يتوقع إيكارت فورتس، مدير معهد دراسات الشرق الأوسط. "لكن يجب القول بأن شرائح واسعة من السكان تعيش إلى حد الآن في ظروف متواضعة وأيضاً فقيرة جزئياً". ويوجد الكثير من المواطنين من الطبقة الوسطى الذين يكافحون من أجل حياتهم. "ومواطنون آخرون لهم دخل ضعيف جداً. وسلسلة من الناس تعيش في بيوت يمكن وصفها بمساكن الصفيح. والوضع أسوأ بالنسبة إلى العمال المهاجرين الذين ليس لهم مساكن".

تأثيرات على العقد الاجتماعي:

والركود الاقتصادي المتوقع سيكون له تأثير كبير على العقد الاجتماعي بين الحكام والرعية، كما تتوقع سينسيا بيانكو، خبيرة شؤون شبه الجزير العربية في "المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية". لكن ولي العهد "محمد بن سلمان" منح قبلها لهذا العقد توجُّهاً آخر. وفي برنامجه الإصلاحي أو ما يُسمى "رؤية 2030" ـ قد يصل محمد بن سلمان إلى حدوده، كما يتوقع إيكارت فورتس. "الميزانية الحكومية تقلصت وستزيد في التقلص. وهذا ما سيدفع إلى اقتطاعات إضافية، وهذا في الوقت الذي تتورط فيه المملكة في حرب مكلفة للغاية في اليمن أدت إلى كارثة إنسانية ومثيرة للجدل سياسياً".

والآن تبحث المملكة عن استراتيجية خروج. لكن الحوثيين يحاولون تأمين مجال هيمنتهم ولا يريدون أن ينسحب السعوديون بدون تقديم تنازلات. ولذلك ليس في استطاعة المملكة الانسحاب بتلك السرعة المطلوبة والمأمول فيها. "وبالتالي فإن الميزانية ستخضع لضغوط من هذا الجانب. وهذا قد يكون له تأثير سلبي على الإصلاحات المنشودة".

استثمارات متعثرة بعيداً عن قطاع النفط:

وتأثيرات فورية على استقرار النسيج الاجتماعي في السعودية لا تتوقعها سينسيا بيانكو للوهلة الأولى. فهذا النسيج يرتكز إلى بناء معقد من عوامل مختلفة. والوباء وكذلك تقلب سوق الطاقة قد يصلحان كذريعة لتبرير الإخفاقات. لكن الخبيرة تتوقع أن تعاني رؤية 2030 من الركود. "لقد تم التخلي عن عدة مشاريع تتطلب استثمارات حكومية كبيرة. لكن هذه الرؤية لها منذ مدة نقطة ضعف: فهي لا تجلب ما يكفي من الاستثمارات الخارجية والداخلية".

المستثمرون يواصلون التركيز على قطاع الطاقة. وسيكون من الصعب أكثر في الأزمة جلب استثمارات بعيدة عن هذا القطاع. "وبعض هذه القطاعات مثل السياحة تتأثر بوجه خاص بالوباء. وضرائب عالية ورسوم تؤثر سلباً على عالم الأعمال وتضغط على السوق الداخلية. وفي الوقت نفسه يتأثر قطاع الطاقة بتراجع الطلب. وهذه عثرة حقيقية تصب الشكوك في نجاح رؤية 2030"، كما تقول بيانكو.

مستقبل ولي العهد يبقى مفتوحاً:

كيف سيكون تأثير الأزمة على المستقبل السياسي لولي العهد محمد بن سلمان. "لقد حوّل سلسلة من الناس إلى خصوم"، يقول إيكارت فورتس. "لقد قلص من السلطة الإيديولوجية للوهابيين، السلطة الدينية في البلاد. وأمر بسجن رجال أعمال نافذين. وقد أثار بسلوكه الصارم غضب أعضاء من العائلة الحاكمة". وبموجب هذه الخطوات لم يعد هناك حديث عن تعددية داخل السلطة. "وعوضاً ذلك نرى نوعاً من السلطنة بقيادة محمد بن سلمان".

ومن الصعب تقدير أثر الأزمة على سمعة ولي العهد لدى المواطنين الشباب السعوديين، يقول فورتس. الكثيرون من الشباب السعوديين رحّبوا بنهج "الإصلاح" لولي العهد. "هم متحمّسون للانفتاح الثقافي. وعلى هذا النحو هم يرحّبون بالسماح لتنظيم حفلات موسيقية. لكن ما العمل إذا لم يتوفر لديهم المال لشراء تذكرة الدخول؟".