الجمعة 2020/08/07

نيويورك تايمز: عقوبات ترامب على سوريا “لن تحل المشكلة”

نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" مقالا للصحافيين برانشو فيرما وفيفيان يي قالا فيه إن إدارة ترامب بدأت دفعة عقوبات اقتصادية ضد سوريا تعد الأكثر صرامة، بهدف إنهاء حكم بشار الأسد وإيقاف حرب ذهب ضحيتها نصف مليون شخص.

وقال وزير الخارجية، مايك بومبيو، إن الإدارة ستنهي الضغط على الأسد وداعميه، عندما يوافق على قرارات الأمم المتحدة التي تؤدي إلى المفاوضات السلمية ونقل السلطة.

ولكن خبراء المساعدات الإنسانية ليسوا واثقين من نجاعة الاستراتيجية، ويقولون إن العقوبات الاقتصادية وحدها بغض النظر عن مدى صرامتها لن تساعد على جلب الأسد لطاولة المفاوضات، وستزيد الأزمة الإنسانية في سوريا، التي تفاقمت مع انهيار الاقتصاد.

ويقول الناقدون إن إدارة ترامب ستضيع سلطة العقوبات الموسعة التي منحها إياها الكونغرس أن لم يصاحبها استخدام للدبلوماسية مع نظام الأسد وحلفائه.

وقال جون سميث، المدير السابق لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية في وزارة الخزانة الأمريكية: "العقوبات وحدها لن تحل المشكلة.. من الصعب رؤية ماذا تفعل الحكومة الأمريكية بالإضافة إلى ذلك في سوريا عدا عن وضع عدد من شخصيات النظام على القائمة التي لا يهمهم أصلا إن كانوا عليها أو لم يكونوا".

وتأتي أخر دفعة من العقوبات مع دخول قانون "قيصر" لحماية المدنيين والذي وقع عليه الرئيس ترامب في كانون الأول / ديسمبر، حيز التنفيذ في منتصف حزيران/ يونيو.

والقانون –الذي أخذ اسمه من الاسم الرمزي للشخص الذي سرب 50000 صورة للتعذيب والجرائم التي تتم في سجون الأسد– أقوى من قوانين العقوبات السابقة، التي بدأت منذ عام 1979 عندما أعلنت واشنطن سوريا دولة راعية للإرهاب.

ويسمح القانون لأمريكا أن تجمد الأصول لأي شخص أو شركة تتعامل مع نظام الأسد، بغض النظر عن الجنسية وهو أيضا تستهدف روسيا وإيران.

وقال سميث: "أعطى الكونغرس الشركات حول العالم خيارا.. يمكنكم الذهاب للعمل في سوريا إن رغبتم بذلك، ولكن إن فعلتم فسوف تحرمون من التعامل بالدولار.. ومن النظام المالي الأمريكي".

ومنذ حزيران/ يونيو تم فرض عقوبات على 40 شخصية بارزة في النظام بمن فيهم زوجة بشار الأسد وابنه الأكبر، وغيرهم من العائلة الممتدة وقيادات القوات الكبيرة. كما تم استهداف رجال الأعمال في قطاع إعادة البناء في المناطق التي يسيطر عليها النظام.

ويشير الخبراء إلى أن القلق الذي يسود الشركات التي قد ترغب في إعادة بناء المدن السورية وريفها – والذي قد يحتاج إلى 250 إلى 400 مليار دولار – قد تخشى القيام بالعمل في المنطقة، ما سيشكل عائقا في طريق سوريا نحو التعافي.

وقبل إعلان أمريكا عن أول دفعة من عقوبات قانون قيصر في منتصف حزيران/ يونيو قامت سوريا بتخفيض قيمة عملتها بنسبة 44 في المئة.

وقال مسؤولون في إدارة ترامب بأن الجهود التي وصفت على أنها "حملة مستمرة من الضغط الاقتصادي والسياسي" بدأت للتو وأنهم يتوقعون المزيد لاحقا.

وقال جويل ريبيرن، مبعوث الخارجية الأمريكية الخاص لسوريا: "سيستمر هذا ليكون 'صيف (عقوبات) قيصر'.. ولن يكون هناك نهاية لها حتى يرضخ النظام وحلفاؤه".

ويتفق المسؤولون الحكوميون الأميركيون السابقون بأن العقوبات في حالة الاقتصاد السوري الآن سيكون لها أثر مدمر على الوضع الإنساني في بلد يعيش فيه حوالي 80% من الشعب في حالة فقر.

كما يشير آخرون إلى أن اعتماد ترامب المتزايد على العقوبات ضد الحكومات القمعية مثل إيران وكوريا الشمالية لم تفعل شيئا لتغيير تصرفات الطبقة الحاكمة، التي يجد أعضاؤها بالعادة طرقا لتجنب الإجراءات العقابية أو يمرروا آثار تلك العقوبات لشعوبهم.

وقال سميث: "تستمر النخبة في النظام في ازدهارها وتستمر في الحصول على السلع الممتازة، ويستمرون في القيام برحلاتهم التسويقية.. وبشكل عام فإن الناس من العاديين هم الذين يدفعون الثمن الباهظ بسبب الفقر الذي تسببت لهم الحكومة به".

وليس هناك شك بأن العقوبات الأمريكية جعلت حياة السوريين العاديين جحيما بكل وضوح.

ويصف أصحاب الشركات والمصانع صعوبة استيراد وتصدير البضائع باستخدام قنوات تصدير خارج النظام البنكي الأمريكي عن كونهم خسروا زبائن دوليين لا يريدون أن يخالفوا العقوبات.

وتم استبدال المنتجات المستوردة في أسواق السوبر ماركت بمنتجات أقل جودة من الصناعة السورية أو الإيرانية. وإيران التي تعاني من العقوبات الأمريكية نفسها لا تستطيع دعم سوريا ماديا.

ولكن أسباب الأزمة الاقتصادية في سوريا تذهب أبعد من العقوبات، بما في ذلك الحرب التي دمرت مدنها ومصانعها وبنيتها التحتية ومستشفياتها.

واشترط أعضاء الكونغرس الديمقراطيون والجمهوريون بأن يضمن قانون قيصر أن تبقى المنظمات الإنسانية قادرة على توفير المساعدات للسوريين.

ولكن العاملين في المجال الإنساني على الأرض يقولون بأنه بالرغم من النوايا الحسنة لأعضاء الكونغرس فإن الحقائق على الأرض ستكون مختلفة. ويشيرون إلى أن الأدوية أصبح فعلا من الأصعب استيراده.

وشركات التأمين تقول لمنظمات الإغاثة إنها غير قادرة على تغطية بعض العمليات. وأغلقت أجهزة الصرف الآلي مما يتسبب في أن يصطف عمال الإغاثة وقتا طويلا في طوابير لسحب رواتبهم.

وقد لا يكون كل هذا له علاقة مباشرة مع العقوبات، ولكن يقول خبراء المساعدات بأن الطبيعة الواسعة للعقوبات الأمريكية تخيف الشركات وتبعدها عن المنطقة، مع أنه يمكن أن يسمح لها بالعمل بشكل قانوني.

وقالت بسمة علوش، المستشارة لمجلس اللاجئين النرويجي، وهي مؤسسة إنسانية تعمل في سوريا: "إنها سيف ذو حدين.. وإن كانت أمريكا تستخدم هذه العقوبات الواسعة والكبيرة لتحقيق هدف سياسي.. فإنهم لا يعيرون اهتماما كافيا للتداعيات غير المقصودة.

وأضافت: "حيث تقوم أمريكا بوضع المزيد من الضغط على الناس العاديين الذين مروا فعلا بعذاب شديد، فإن عليها أن تفعل المزيد لتظهر بالضبط كيف ستقوم بحماية هؤلاء المدنيين".

ويستخدم نظام الأسد حجة العقوبات الأمريكية على أنها هي أصل المشاكل الاقتصادية السورية وهذه الدعاية تملأ قنوات الإعلام الرسمية.

ويصر نظام الأسد بأن العقوبات يعقد استيراد الأدوية واللقاحات والأجهزة الطبية. ولكن التحقق من ذلك صعب في بلد يفتقر إلى الشفافية، وله مصلحة في تشويه صورة أمريكا.

ويشير الخبراء إلى أن هدفا رئيسيا من أهداف هذه العقوبات هو تقييد تدفق الأموال من روسيا وإيران إلى سوريا. والمنطق خلف ذلك هو أنه إن شعرت الداعمين الرئيسيين للأسد بألم العقوبات المالية يمكن أن يقنعهما بالمساعدة في الوصول إلى طاولة المفاوضات.

ولكن غياب الاستراتيجية الدبلوماسية لتصاحب العقوبات الاقتصادية، يخشى الناقدون بأن إدارة ترامب لن تجعل حلفاء الأسد يغيرون الوضع القائم.

وقال اليكساندر بيك، الذي كان مديرا للشأن السوري في مجلس الأمن القومي في إدارة باراك أوباما: "كما قد يخبركم الروس، فقد فرضت عليهم عقوبات أنفسهم – ولم يغير ذلك شيئا".

وأضاف أن أي تغيير في نظام الأسد سيكون "محرجا" للروس: "فهي ستقوض رسالة بوتين والتي هي 'سوف أقف مع عملائي' وسوف يقوض أهداف روسيا الأعرض وهي منع أمريكا من تغيير الأنظمة حسب مزاجها".

ويقول البعض إن قانون قيصر يمكنه أن يضغط لتحقيق بعض الأهداف الصغيرة مثل إطلاق سراح السجناء السياسيين. وآخرين يعتقدون أنه يمكن أن يكون له أثر أكبر – فبالسلطة التي منحها الكونغرس لإدارة ترامب مما سيساعد على تحقيق السلام في منطقة تعاني من حرب وحشية.

ولكنهم يشيرون إلى أن 13 شركة وشخصا فقط تم وضعهم على قائمة العقوبات منذ حزيران/ يونيو بموجب القانون الجديد. ومعظم الأسماء الأخرى كانت بموجب أوامر تنفيذية صادرة عن ترامب في تشرين الأول/ أكتوبر 2019.

والبعض يتساءل عن سبب عدم وجود أشخاص أو هيئات من روسيا على قوائم العقوبات باعتبار الدور الكبير الذي لعبوه في الصراع في سوريا.