الأحد 2020/05/17

“كارنيغي” يكشف أسباب “عاصفة التوترات” في محيط الأسد

نشر مركز "كارنيغي" لدراسات الشرق الأوسط، تقريراً سلط فيه الضوء على أسباب التوتر المتصاعد بين أفراد الدائرة المقربة من "بشار الأسد"، بعد الظهور المتكرر لابن خال الأسد "رامي مخلوف" منتقداً سياسة النظام الأمنية والاقتصادية مع شركاته.

وأوضح مركز الأبحاث الشهير (موقعه في بيروت)، في تقرير حمل عنوان (ما أسباب اندلاع التوترات في عرين القيادة السورية)، أن "التوترات العلنية" التي تنشأ على مستوى القيادة في نظام الأسد "شديدة النُّدرة"، غير أنها كانت موجودة منذ انقلاب حافظ الأسد في العام 1970.

وطرح المركز على ذلك المثال الأكثر وضوحاً في المواجهة بين حافظ الأسد وأخيه رفعت في العام 1984. فحين دخل حافظ المستشفى بسبب تعرّضه لأزمة قلبية، حاول رفعت الاستيلاء على السلطة وأمر الألوية العسكرية التي يسيطر عليها بتطويق دمشق. ولم يُحَلّ إلّا مع تدخّل والدتهما، وطُرد رفعت إلى خارج سوريا مع مبلغ سخي جدّاً من المال.

يوضح المركز أن نظام الأسد الآن يواجه تحدياً مصدره ابن خال بشار الأسد، رامي مخلوف الذي كان فعلياً أمين صندوق العائلة منذ العام 2000، "لكن بعد اندلاع الانتفاضة في العام 2011، أصبحت جمعية البستان الخيرية التي يرأسها المموّل الرئيس للميليشيات الموالية للنظام". يتابع: "ويُقال إن رامي مخلوف يسيطر بشكل مباشر أو غير مباشر على أكثر من 50 في المئة من الاقتصاد السوري، وهو نمط أبرزته الحرب. مع ذلك، تضع الدولة حالياً عوائق في وجه هذه الهيمنة، إذ فرضت غرامات ضخمة على مصدر دخله الأساسي، أي شركة الاتصالات سيريتل".

وتعليقاً على ظهور رامي مخلوف على صفحته مؤخراً يتحدث عن "الخلاف" مع النظام، يقول مركز كارنيغي "يظهر أن مطلبه لم يلقَ آذاناً صاغية. يبدو كذلك أن بشار الأسد يريد الانتقال إلى مرحلة ما بعد الصراع وتفكيك إمبراطورية اقتصاد الحرب التي طفت إلى السطح بعد العام 2011، والتواصل من جديد مع الجهات الفاعلة الاجتماعية والاقتصادية التقليدية. الوقت كفيلٌ بإظهار ما إذا كانت هذه الخطوات تعبّر عن رغباته الشخصية أو رغبات رعاته الروس".

ويطرح المركز مجموعة من الآراء لخبراء وأكاديميين ومحللين استراتيجيين، حول هذا الملف:

1- سارة كيّالي: باحثة سورية في منظمة "هيومن رايتس ووتش": تقول:

"تتخبّط سورية في لُجج أزمة اقتصادية لم يسبق لها مثيل. وبسبب عجز القيادة السورية عن حل هذه الأزمة، انقلب أقطابها على بعضهم البعض. فالشقاق وقع بين رامي مخلوف، الداعم الرئيس للحكومة السورية وأيقونة الاقتصاد السوري، المتدهور حالياً، وبين الرئيس السلطوي بشار الأسد، خاصة بعد أن عمد مخلوف نفسه إلى نشر غسيل هذه التوترات، عبر سلسلة من أشرطة الفيديو على فايسبوك هذا الشهر.

أخر تجليات الخطوات التي اتخذتها الحكومة ضد مخلوف، كانت مطالبته أن تدفع "سيريتل"، وهي شركة تحتكر تقريباً قطاع الاتصالات السلكية واللاسلكية، مبلغ 233 مليار ليرة سورية (161 مليون دولار وفق سعر السوق السوداء)، وهو مبلغ تدّعي الحكومة أنه يعود إليها إلى جانب منافس الشركة الأصغر. وحين رفض مخلوف هذا الطلب، نفّذت أجهزة الأمن، على ما يقال، اعتقالات اعتباطية بحق موظفي "سيريتل" للضغط على مخلوف وإجباره على الدفع.

من الصعب البت بمن يقول الحقيقة، لأن كلا الطرفين لهما باع طويل بتشويهها. بيد أن الحكومة تستخدم التكتيكات التعسفية نفسها، على غرار الاعتقال الاعتباطي، والمضايقات، وسوء استخدام القوانين، لتهميش مخلوف، التي لطالما استعملتها مع آلاف السوريين الذين يطالبون بالتغيير منذ العام 2011.

فيما يحتج مخلوف على هذا الظلم، يجدر أن نتذكّر أنه هو نفسه، وباعترافه، كان الراعي الرئيس للنظام التعسفي والاستغلالي الذي ينقلب الآن عليه. وهذه تذكرة وعبرة بأن خروقات الحقوق يمكن أن تطال أياً كان، مهما علا كعبه.

2- زياد ماجد: أستاذ مشارك في الجامعة الأميركية في باريس، ومؤلف كتاب Dans La Tête de Bachar Al-Assad (Solin/Actes Sud, 2018) (في رأس بشار الأسد) مع فاروق مردم بيك وصبحي حديدي:

يقول:

"تعكس التوترات داخل الحلقة الضيقة للنظام السوري ثلاث ديناميات، أولاها تتعلّق بالعائلة. فمنذ التدخّل الروسي في العام 2015، ثم وفاة والدة بشار الأسد صاحبة التأثير القوي في العام 2016، بدأت عملية إبعاد تدريجية لآل مخلوف (عائلة الأم) بالتدريج من مواقع السلطة. والآن، الإجراءات التي تُتخذ ضد رامي مخلوف، الذي سيطر في مرحلة ما على 50 في المئة من الاقتصاد السوري، تستكمل فصول هذه العملية التي بدأت مع شقيق رامي، حافظ، ووالده محمد. ومن يحل مكانه الآن رجال أعمال مُقرّبون من أسماء، زوجة بشار النافذة، في محاولة لتوسيع شبكة النظام الزبائنية.

الدينامية الثانية تتعلّق بالضغوط الروسية على الأسد. فموسكو تريد إعادة تركيب مؤسسات الدولة السورية، وإعادة تنظيم الجيش، ومركزة آليات صنع القرار تحت قيادتها. الهدف: التفاوض حول عقود إعادة الإعمار مع شركاء غربيين وصينيين مُحتملين، وتمكين الشركات وأصحاب المشاريع الروس من الاستفادة ضمن مسرح عمليات مسيطَر عليه بالكامل. لتحقيق هذا الغرض، يتعيّن تقليص النفوذ الإيراني في دوائر النظام، وتهميش أصحاب الاحتكارات السوريين (مع روابطهم الإيرانية). بالنسبة إلى الأسد، هذه فرصة للتخلّص من ابن خاله سيِّء السمعة، وللقول إنه يبذل قصارى جهده للوفاء بمتطلبات الروس.

الدينامية الثالثة تمكن قراءتها من زاوية تحليل تاريخ النظام، والتوترات والانشقاقات التي شهدها. فبعد التخلّص من رفعت الأسد، عم بشار، في العام 1984، ومن غازي كنعان، الرجل القوي في أجهزة الأمن في 2005، وآصف شوكت، صهر بشار، في 2012، جاء الآن دور آل مخلوف. وهذا ليس بالأمر المفاجئ في الأنظمة التوتاليتارية ذات الاعتبارات الطائفية والقبلية والعائلية التي تُبنى غالباً على أسس معادلات وتوزانات دقيقة.

كل هذا يشي بأن النظام سيكون على موعد مع ضغوط متصاعدة وصراعات داخلية في المقبل من الأشهر. إذ أن روسيا في حاجة إلى الاعتراف الدولي بهيمنتها على سورية وعلى مشاريع إعادة الإعمار. وإيران لن تقبل بأن تُهمّش. وبشار يهجس بـ"إعادة انتخابه" في العام 2021. وفي هذه الأثناء، يقوم لاعبون أجانب آخرون، على غرار تركيا والولايات المتحدة، بإعادة توكيد أدوارهم وتنظيم علاقاتهم مع حلفائهم المحليين في كلٍ من شمال غرب وشمال شرق البلاد، تمهيداً لولوج المراحل المقبلة".

3- خضر خضّور: باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط. يقول:

"التظلّمات الأخيرة والعلنية جدّاً بين رجل الأعمال البارز رامي مخلوف، وابن خاله الرئيس بشار الأسد أثارت موجة عارمة من التكهنات حول وجود توترات بين مختلف أعضاء النخبة السياسية والاقتصادية السورية. وقد ركّز قدرٌ كبير من التكهنات على دور ونفوذ روسيا وإيران في سورية، وعلى التنافس بينهما. لكن الخلاف مع مخلوف يبدو في الغالب مسألة داخلية تعكس أكثر الطبيعة المتغيّرة للاقتصاد السوري منه التدخل الخارجي.

تُظهر قضية مخلوف أن النظام في طور إعادة بناء شبكاته، ما قد يشي بانبلاج اقتصاد ما بعد النزاع. فقد أنشأت الحرب نخباً اقتصادية جديدة يعتمد نفوذ الكثير منها على علاقات واتصالات بمناطق خارجة عن سيطرة النظام، أو بقوى خارجية. ومع أن مخلوف كان شخصية مهيمنة على الشؤون التجارية السورية لحوالي عقدَين من الزمن، إلا أن غياب هذه الشبكة من العلاقات والاتصالات أدى إلى تراجع نفوذه تدريجياً لصالح قادمين جدد على الساحة من أمثال سامر فوز والأخوين قاطرجي ومحمد حمشو وغيرهم.

تركّز محنة مخلوف الراهنة على محاولة البقاء كلاعب بارز في المرحلة الجديدة من الاقتصاد السوري، التي يواجه فيها منافسة محمومة، ومن غير المؤكّد إلى أي مدى سيتمكن من تحقيق ذلك. مع أن مخلوف قد ينجح في استخدام الطائفة العلوية إلى حدٍّ ما لحماية نفسه، إلا أن علاقات أسرته تقف عند درجة معيّنة. فالروابط التي تجمعه مع الرئيس الأسد من خلال والدته منحته نفوذاً كبيراً، لكن في نهاية المطاف، إن عائلة حافظ الأسد المباشرة هي التي تتسلّم مقاليد السلطة الفعلية".

وفي وقت سابق اليوم، ندّد "رامي مخلوف" ابن خال بشار الأسد مجدداً باعتقال "الأجهزة الأمنية" في النظام موظفين في شركاته، محذراً من عواقب الخلاف الجاري بينه وبين جهات لم يسمّها.

وفي ثالث ظهور من نوعه خلال أقلّ من شهر، عبر بث مباشر على صفحته الرسمية في "فيسبوك"، أعاد "مخلوف" الحديث عن "ضغوطات" تمارسها عليه نفس الجهة التي تحدث عنها في الظهورين السابقين، والتي يرجّح مراقبون أنها شخصية "أسماء الأخرس" زوجة بشار الأسد، وتكلم في البداية عن "فشل جميع الجهود" في إطلاق سراح الموظفين المعتقلين التابعين لشركاته، وتوجه "بالاعتذار" لأهالي الموقوفين إزاء ذلك، لافتاً إلى أن اعتقالهم تم بشكل "غير قانوني"، وإلى وجود "مساومة" تتعلق بتنفيذه ما يطلب إليه مقابل الإفراج عنهم، أو إيقاف ما سمّاه "الترهيب" الذي يتعرضون له.

وفي وقت لاحق مساء الأحد، أصدر نظام الأسد، إنذاراً رسمياً لشركة "سيريتل" المملوكة لابن خال بشار الأسد "رامي مخلوف"، بعد ساعات من ظهور الأخير في بث مباشر جديد كشف فيه مزيداً من "الفضائح".

ونشرت "الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد" التابعة للنظام، على موقعها الرسمي، بياناً قالت فيه: "بعد مرور أسبوعين تقريباً على انتهاء المهلة المحددة لها، ورغم المرونة التي أبداها الجانب الحكومي، وبعد رفض شركة سيريتل دفع المبالغ القانونية المستحقة عليها والمتعلقة بإعادة التوازن للترخيص الممنوح لها.. فإن الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد وبناء على القانون وعلى التزامها بواجبها بتحصيل الأموال العامة لخزينة الدولة بكافة الطرق القانونية المشروعة، تحمل شركة سيريتل كل التبعات القانونية والتشغيلية نتيجة قرارها الرافض لإعادة حقوق الدولة المستحقة عليها"، وأردف البيان أن الهيئة "تؤكد أنها ستقوم باتخاذ كافة التدابير القانونية لتحصيل هذه الحقوق واسترداد الأموال بالطرق القانونية المشروعة المتاحة".

وكانت "الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد" وضعت لشركة "سيريتل" مهلة انتهت بتاريخ 5/5/2020 لسداد "مبالغ مستحقة" تقدر بـ 233.8 مليار ليرة سورية "وذلك لإعادة التوازن إلى الترخيص الممنوح لكلا الشركتين سيريتل و MTN".

يشار إلى أن ابن خال الأسد "رامي مخلوف" يمتلك شركة "سريتيل" تحت عنوان "شركة مساهمة"، فيما يمتلك أكبر عدد من الأسهم في شركة " MTN".

وتصاعد الخلاف مؤخراً بين الدوائر النافذة في عائلة الأسد، وتحدثت تقارير إعلامية عن خلاف كبير بين زوجة بشار "أسماء" وأخواله "آل مخلوف" حول حصة كل منهم في كعكة ما تبقى من الاقتصاد السوري، في الوقت الذي شهد فيه سعر الليرة السورية انهياراً تاريخياً غير مسبوق، فبلغ سعرها أمام الدولار الواحد 1800 مساء الأحد.

اقرأ أيضاً..

الإعلام الروسي يضرب الأسد مجدداً: فاشل وصاحب تفكير خشبي

إنذار وتهديد.. نظام الأسد يرد “رسمياً” على “رامي مخلوف”

ليصلك كل جديد.. الاشتراك بتلغرام قناة الجسر https://t.me/aljisr