الأثنين 2020/09/14

سوريا الأسد..عندما يصبح الصاروخ أرخص من “الخبز”

في الوقت الذي يروج فيه الأسد وحلفاؤه لفكرة "النصر على الإرهاب" في سوريا، يبدو في واقع الأمر أن هذا "النصر" لم يكن في حقيقته تدمير المدن وقتل مليون سوري فقط، بل كان كذلك تدميراً ممنهجاً للإنسان السوري.

رأي السوريون بعد سيطرة الأسد على مناطق واسعة خرجت عن حكمه سابقاً، أن مفهوم "إعادة الإعمار" أو "التأهيل" أو "إعادة الاستقرار" وفق ما يروج له إعلام النظام، لم يكن إلا إعادة تأهيل تماثيل "حافظ الأسد"، والقيام ببعض "المشاريع" التي يبقى "الإنسان" خارج أجندتها تماماً.

نظرة سريعة إلى مناطق سيطرة نظام الأسد حالياً كفيلة بتكوين صورة شاملة لمعنى "النصر" بمفهوم آلة الإجرام الأسدية الروسية الإيرانية.

بنى تحتية متهالكة تجعل وجود الكهرباء والمياه النظيفة رفاهية مفقودة، وخدمات الحياة الأساسية بالحد الأدنى الذي يجعل المواطن السوري ينفق نصف ساعات يومه أو أكثر للحصول على "ربطة الخبز" أو "جرة الغاز"، ومؤسسات حكومية بات الفساد فيها "على عينك يا تاجر" -كما يقول السوريون- بعد أن كان الفساد سابقاً يتشكل تحت عناوين مختلفة.

هذا بالإضافة إلى أزمة فيروس كورونا، التي كشفت بشكل واضح أن الأسد وحلفاءه مستعدون تماماً لإنفاق المليارات في سبيل القتل والتدمير والتشريد، أما عندما يتعلق الأمر بالحياة، فهم عاجزون تماماً عن فعل أي شيء.

منذ بدايات اندلاع الثورة السورية سوّق الأسد مفهوم "الحرب الكونية" التي وسوست لمواليه أن الثورة مجرد "مؤامرة غربية" للإطاحة بنظامه. وفي الوقت الذي كانت فيه الآلة العسكرية تقتل الآلاف وتدمّر المدن الثائرة، كان النظام يتفاخر بأنه يقود -وحيداً- حربه "المقدَّسة" ضد "المؤامرة الكونية"، والتي سانده فيها ثلاثة "أصدقاء" فقط: روسيا، إيران، الصين.

أهم مشاهد "الحرب الكونية" انتهت، ورأى المؤيدون قبل المعارضين أن "المؤامرة الغربية" لم تكن في واقع الأمر ضد الأسد، بل كانت ضد السوريين أنفسهم، عقاباً لهم على محاولة زعزعة "النظام الإقليمي" القائم، والذي يمثل "بشار الأسد" أحد أهم أركانه ورموزه.

يعرف الجميع اليوم – وأوّلهم مؤيّدو الأسد- أن الحرب الشرسة ضد السوريين لم تكن لإنقاذهم من "براثن الإرهاب"، بل كانت لترسيخ سُلطة الأسد مقابل إعادة السوريين إلى العصر الحجري. فإن لسان الحال اليوم يقول: أنفقتم مئات المليارات بسخاء من أجل القتل والتدمير والتهجير، فلماذا لا تستطيعون إنفاق ربع ذلك المبلغ في إعادة تأهيل بعض الخدمات؟

يأتي الجواب المعتاد من النظام دائماً أن السبب هو "العقوبات الغربية الجائرة"، تلك الكذبة التي بات الأسد يسوّقها لسحق مزيد من السوريين وضمان البقاء فوق جثثهم أو أمعائهم الخاوية، بينما الحقيقة أن نظام الأسد وأركانه غير مرتبطين أصلاً بالنظام المالي العالمي، في ظل اعتماده على أنظمة بديلة تتعلق بروسيا والصين وإيران.. المحور "المارق" الذي صنع لنفسه مساراً مالياً يحمي به نفسه من سطوة العقوبات الغربية.

إضافة إلى أن الأسد استطاع خلال 9 أعوام الالتفاف على العقوبات الغربية عن طريق المحور السابق نفسه، بالإضافة إلى اعتماده على دول -مثل الإمارات ولبنان المجاور- لتكون شرياناً آمناً لنشاطه الاقتصادي.

كما إن العقوبات الغربية بما فيها "عقوبات قانون قيصر" تستثني بشكل واضح القطاع الصحّي والطبّي. واليوم تعاني مناطق الأسد من قلّة أو انعدام أدوية رئيسية، والخدمات الصحية الرئيسية ضعيفة جداً.

السؤال الكبير الآن: أين حلفاء الأسد العتيدون مما يجري؟ هم ساعدوه على البقاء فوق كرسي الحكم مدة 9 سنوات، تم فيها إنفاق مبالغ كفيلة بأن تعيد للسوريين في مناطق النظام أبسط مقومات الحياة.. الخبز، والوقود، والكهرباء، والأدوية. فهل هم عاجزون عن فعلاً؟.. وإذا كانوا عاجزين، فهل يستحق تدمير سوريا فوق رؤوس شعبها أن يسمّى نصراً؟!.. هل أعادت سوريا رسم الاقتصاد العالمي بأن أصبح صاروخ الكروز الذي يدمّر حياً بأكمله أرخص من رغيف الخبز؟!


الكاتب: أحمد المحمد