الجمعة 2021/08/06

تشابك المصالح في درعا يعقّد المشهد

تتشابك إلى حد التصادم، المصالح الإقليمية والدولية في جنوب سوريا، الذي عاد بقوة إلى واجهة الحدث في الآونة الأخيرة، مع تهديدات من قبل النظام بفرض السطوة مرة أخرى على أحياء درعا البلد بالقوة، في ظل تحذيرات من ازدياد مساحة النفوذ الإيراني في الجنوب، إذا لم يستطع الروس كبح جماح المليشيات الموالية لطهران، التي يبدو أنها تتحفز لبدء عمل عسكري واسع النطاق.

ومرّ أكثر من أربعين يوماً على الأزمة التي اختلقها النظام في محافظة درعا، إثر محاصرة أحياء درعا البلد، ما تسبّب بأزمات إنسانية لأكثر من 50 ألف مدني، وجدوا أنفسهم في عين العاصفة من جديد. وفشل الجانب الروسي حتى اللحظة في فرض اتفاق يمكن أن يرضي النظام وأهالي درعا البلد، الذين قدّموا تنازلات لتجنّب الحرب، واقترحوا على الروس تأمين ممر آمن لمن يرغب بالنزوح، إما باتجاه الأردن أو الشمال السوري، ليدخل النظام بقواته إلى أحياء خالية من سكانها.

ولطالما كان الجنوب السوري ميدان صراع إقليمي ودولي متعدد الأشكال والأوجه منذ العام 2011 الذي شهد انطلاق الثورة السورية من الأحياء التي يهدد النظام بـ"محوها عن الأرض" إذا لم ترضخ، كما نقلت مصادر في اللجنة المركزية المفاوضة عن الأهالي عن "وزير الدفاع" بحكومة الأسد علي ديوب. والنظام الذي يشعر بأنه تجاوز مرحلة خطر سقوطه، مع إجرائه انتخابات رئاسية ثبّتت بشار الأسد في السلطة لعام 2028، يريد استعادة الجنوب السوري لفتح طرق التجارة مع الأردن ودول الخليج العربي، خصوصاً تجارة الترانزيت المتوقفة منذ عدة سنوات عبر معبر "نصيب" الحدودي مع الأردن، لإنعاش اقتصاده المتهالك، وهو ما يتقاطع إلى حد بعيد مع المصالح الأردنية على هذا الصعيد. كما يريد استعادة بعض الهيبة الإعلامية، لتقوية أوراقه في أي حلول سياسية يمكن أن تفرض من خلال المجتمع الدولي، إذ لا يمكن لهذا المجتمع ترك سوريا دون حلول على المدى الطويل.

ويبدو النظام حريصاً كل الحرص على استعادة السيطرة على الجامع العمري في درعا البلد. وشهد هذا الجامع انطلاق الشرارة الأولى للثورة السورية، واستعادته ورفع علم النظام فوقه له دلالة إعلامية كبيرة على نهاية هذه الثورة وانتصار النظام على معارضيه. في حين تبدو المعارضة الحلقة الأضعف فيما يجري في الجنوب، فلم يعد لديها ظهير إقليمي أو دولي يمكن الاعتماد عليه لمواجهة تهديدات النظام في القضاء على آخر جيوب المعارضة السورية المسلحة في جنوب البلاد.

وواصلت قوات النظام، أمس، الضغط العسكري على الأهالي في محافظة درعا جنوبي البلاد. وذكر الناشط أبو محمد الحوراني، لـ"العربي الجديد"، أنّ قصفاً مدفعياً وصاروخياً استهدف بلدات ناحتة وزيزون والعجمي وبلدات أخرى بريف درعا الغربي من مواقع قوات النظام المتمركزة في كتيبة المدفعية 285 بجانب البانوراما، إضافة إلى قصف مماثل طاول بلدتي مليحة العطش وبصر الحرير شرقي درعا، مصدره قوات النظام المتمركزة في "اللواء 12" بمدينة إزرع.

ويعتمد النظام بشكل واسع على الجانب الإيراني في حملته العسكرية على أحياء درعا البلد. وتريد طهران الوصول إلى الحدود السورية مع الأردن والأراضي المحتلة من إسرائيل، في سياق فرض النفوذ السياسي والعسكري في منطقة استراتيجية، ما يسمح لها بمناكفة الغرب والحصول منه على تنازلات، خصوصاً لجهة برنامجها النووي ودورها المتعاظم في العراق واليمن وسورية ولبنان. وحذرت لجنة التفاوض في محافظة درعا، منذ أيام، من "الهيمنة الإيرانية" على جنوب سوريا، مشيرة، في بيان، إلى أن عدم الوقوف في وجه المطامع الإيرانية سيؤدي إلى "كارثة إنسانية" وانتهاكات جسيمة وموجات نزوح ولجوء.

وتعد "الفرقة الرابعة" التي يقودها ماهر الأسد، الذراع العسكرية الضاربة للجانب الإيراني في جنوب سوريا. وقد أفشلت طهران عن طريق هذه الفرقة أكثر من اتفاق توصل إليه الجانب الروسي مع اللجنة المفاوضة عن الأهالي في محافظة درعا، لأنها تريد اقتحام الأحياء الخارجة عن سيطرة النظام والفتك بسكانها وتعفيش منازلهم.

في المقابل، يبدو أن الجانب الروسي غير متحمس بشكل كبير لفرض النظام سطوته في محافظة درعا، وهو ما يفسر عدم وضع موسكو ثقلها كما فعلت في ريف دمشق وريف حمص الشمالي وحلب والشمال الغربي من سوريا. ومن الواضح أن الروس يدركون أن استعادة النظام للسيطرة المطلقة على محافظة درعا تعني تقلص دورهم، واتساع نطاق الدور الإيراني المتلطي خلف "الفرقة الرابعة" ومليشيات أخرى. كما أن الجنوب السوري لا يزال محكوماً باتفاق ثلاثي أبرم بين الولايات المتحدة وروسيا والأردن منتصف 2017، نص، كما أكدت مصادر مطلعة في حينه، على إبعاد المليشيات الإيرانية عن الحدود الأردنية والإسرائيلية بعمق 80 كيلومتراً في الأراضي السورية. ولكن المعطيات السياسية تشير إلى أن الجانب الأميركي والغربي عموماً بعيد حتى اللحظة عما يجري في جنوب سوريا، ما خلا تصريحات إعلامية لا يبدو أن لها أثراً في التوصل إلى اتفاق لصالح المعارضة السورية.

وفي هذا الصدد، رأى الصحافي المتخصص بالشأن الروسي طه عبد الواحد، في حديث مع "العربي الجديد"، أنه "لا مصلحة للروس في استعادة النظام سيطرة كاملة في جنوب سوريا". وأضاف: "يدركون (الروس) أن هذا يعني زيادة نفوذ الإيرانيين هناك، وبالتالي يعود التصعيد مع الإسرائيليين بشدة إلى الواجهة، وقد يتطور الأمر إلى غير ما تريد موسكو". وتابع: "هناك شعور لدى الروس بأنهم كلما حققوا للنظام إنجازات تمرد عليهم أكثر". وأشار عبد الواحد إلى أن الجانب الروسي "يناور ويحاول الدفع نحو اتفاق ما، لكنه يواجه موقف الطرف الآخر، أي الإيرانيين وليس النظام بالمعنى المباشر، فالقوات على الأرض هم مجرد أداة تعمل لصالحهم".

من جهته، رأى الباحث السياسي في مركز "الحوار السوري" محمد سالم، في حديث مع "العربي الجديد"، أن "هناك تشابكاً وتضارباً في المصالح إلى حد ما بين الروس والإيرانيين، وهو ما يعطي الأهالي في محافظة درعا هامش مناورة يحاولون استغلاله". وأشار إلى أن "اللواء الثامن"، الذي يقوده القيادي السابق في فصائل المعارضة أحمد العودة، ويتبع للجانب الروسي، "يحاول لعب دور الوساطة بين النظام والأهالي، ولكن حتى الآن الأمر غير مجدٍ لجهة إبرام اتفاق يجنّب الجنوب السوري عمليات عسكرية واسعة النطاق". واعتبر سالم أن الجانب الروسي "يحاول استغلال النفوذ الإيراني في جنوب سوريا لتطويع سكان درعا ليكونوا أداة روسية"، مضيفاً: "لدى روسيا مخططات لتجنيد الشبان في محافظة درعا للتوجه إلى البادية السورية ومحاربة تنظيم داعش، الذي تنشط خلاياه هناك، وربما نقل عدد منهم للقتال خارج سوريا لخدمة المصالح الروسية في عدة دول".