الثلاثاء 2022/06/21

بعد زيادة معدلات الانتحار في إدلب.. انطلاق حملة لمكافحة هذه الظاهرة

زادت معدلات الانتحار في محافظة إدلب، خلال الشهرين الماضيين، حيث باتت هذه الحوادث قضية رأي عام، شغلت المؤسسات الصحية والاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني للحدّ من توسّعها.

وربط فريق “منسقو استجابة سورية”، في بيان سابق، حوادث الانتحار بـ”الآثار الاقتصادية والنفسية والاجتماعية والبطالة والفقر، إلى جانب زيادة حالات العنف الأسري والاستخدام السيئ للتكنولوجيا وانتشار المخدرات والتفكك الأسري”.

وأحصى الفريق، في الخامس من يونيو/حزيران الجاري، تسجيل حوالي 33 حالةً، ما بين محاولة وانتحار، أدت إلى وفاة 26 شخصاً، بينهم 9 أطفال و10 سيّدات، منذ مطلع العام الجاري، في منطقة شمال غربي سورية.

“وحدة صحة وحيدة”

وتفرّدت “وحدة الصحة النفسية” قرب مدينة سرمدا شمالي إدلب، لمكافحة حالات الانتحار وما يرتبط بها من تدهور في الحالة النفسية للمرضى في المحافظة والأرياف القريبة منها.

يقول علاء العلي وهو المسؤول الميداني لبرنامج الصحة النفسية في “اتحاد المنظمات الإغاثة والرعاية الطبية” (أوسوم)، إنّ الوحدة  تستقبل حالات الانتحار منذ ماقبل موجة تسجيل الإصابات التي تشهدها المنطقة مؤخراً، لكن لوحظ تزايد أعداد الحالات خلال الشهرين الماضيين بشكل لافت وهو ما استدعى أن نتخذ إجراءات جديدة لمكافحة حالات الانتحار”.

وأوضح أنّ “الوحدة استقبلت ثلاث محاولات انتحار، سواء بطلق ناري أو بأدوات حادة (سكين)، خلال الشهر الفائت، كما استقبلت الوحدات ومراكز الصحة الأولية حوالي 15 حالة لديها أفكار نشطة حول الانتحار”.

ويعمل في “وحدة الصحة النفسية” 4 أطباء نفسيين، 3 منهم مقيمين، ومشرف مختصّ، و8 عمّال نفسيين داخل الوحدة، وخارجها ضمن الفرق الجوّالة التابعة لها.

ويعتبر هذا المركز، الوحيد في محافظة إدلب، إلى جانب وحدة مثيلة في مدينة الباب شرقي حلب، تستقبل حالات المنطقة.

“تدخّلات اجتماعية ودوائية”

يوضح العلي، أنّ التدخّلات لحالات محاولات الانتحار، تكون على شقّين إما دوائية أو اجتماعية، وكل حالة بحسب وضعها، حيث يتمّ التدخل اجتماعياً حينما يكون الدافع نفسياً، لكن حين تكون محاولات الانتحار، مرافقة لحالات اكتئابٍ حادة، يصبح التدخّل دوائياً إلى جانب الاجتماعي.

في هذا السياق، يتحدث قتيبة إبراهيم، وهو عامل صحة نفسية في الوحدة، عن رصده عدة مراجعين راودتهم فكرة الانتحار، على حدّ تعبيره، لكن بصعوبة، إذ يجد المراجعون حرجاً كبيراً في إفشاء هذا النوع من الأفكار أمام الكوادر النفسية في الوحدة، الأمر الذي دعاه للتعامل السريع معها بالتعاون مع “مقدمي الخدمة”، وهم غالباً من الأشخاص المقربين من الحالة التي يتم علاجها.

قتيبة الذي يعمل مع فريق العمل في “الوحدة” على تفعيل “الخطّ الساخن لطوارئ الانتحار”، لتلقي جميع الحالات من قبيل محاولات الانتحار والحالات النفسية الحادة الأخرى عبر “الوتسأب”، يشير لـ”السورية.نت”، إلى أنّ “الإجراءات التي يتبعها عند تعامله مع هذه الحالات، ترتكز مباشرةً على إبعاد الأدوات الحادة تجنباً لأي تهور من المرضى، وبعدها تبدأ الجلسات للمحاولة بزرع الهدوء وإبعاد الأفكار اللا عقلانية عن ذهنه”.

حملة وجولات ميدانية

وأطلقت وحدة الصحة النفسية قبل أيام، بالتعاون مع العمّال الصحيين النفسيين والفرق الجوّالة حملةً حملت عنوان “الانتحار لا يعتبر حلاً”، وهي كانت بمثابة باكورة إجراءات منظمة “أوسوم” في منطقة شمال غربي سورية لمواجهة الانتحار بين الأهالي، بحسب العلي.

وقال إنّ “الحملة يشارك فيها أطباء مختصون في الصحة النفسية وآخرون مقيمون، وعمّال الصحة النفسية، إلى جانب المشرفين التقنيين، وتستمر لمدة شهر واحد”.

وتتضمن الحملة حملات توعوية فيزيائية وأخرى “عن بعد”، والنشر على مواقع التواصل وموقع الويب لـ”أوسوم”، حول برامج توعوية للحد من انتشار ظاهرة “الانتحار”.

ويشير العلي إلى أنّ الحملة تشمل أيضاً زيارات ميدانية للصيادلة الزراعيين، بعد تسجيل نسب عالية، لـ”حبوب الغاز” كأداة انتحار، والتي تعتبر الصيدليات مصدر بيعها الأساسي، للحد من بيعها العشوائي وترشيد توزيعها.

وتوجّه الحملة نشاطها إلى المستشفيات الجراحية، على اعتبارها الوجهة الرئيسية لحالات الانتحار، لحثها على تحويل تلك الحالات إلى مراكز ووحدات الصحة النفسية، وفقاً للعلي.

“الضيق العاطفي الحاد”

محمد ساطو، وهو طبيب نفسي، والمدير الطبي لـ”الوحدة النفسية”، يقول، إنّ “معظم حالات الانتحار والمحاولات في المنطقة، تندرج ضمن ما يعرف طبياً بـ”الضيق العاطفي الحاد”، وهو يشمل الضغوط الاجتماعية والاقتصادية من بطالة وفقر وكثافة سكانية وصعوبة الظروف المعيشية والتغير البيئي والتفكك الاجتماعي، التي تدفع للانتحار أو حصر إنهاء معاناته من خلال إنهاء حياته”.

ويوضح ساطو في حديثٍ لـ”السورية.نت”، أنّ “الاضطرابات النفسية إلى جانب الأمراض المزمنة التي تسبب لمرضاها الألم الشديد، قد تكون سبباً لـ”الانتحار” في كثير من الحالات، للتخلص من ذلك الألم”.

ويضيف: “الانتحار لا ينهي مشكلات حياة الشخص، أو يحسّنها، إنما ينهي الحياة فقط، وهو ما يجب توعية الأهالي حوله، إلى جانب إحياء الوازع الديني التي يعتبر سداً منيعاً أمام الانتحار”.