الآن

اللاجئون السوريون في لبنان يخشون إلغاء دعم الوقود في شتاء قارس

يجد اللاجئون السوريون في لبنان أنفسهم مرغمين على تحمل برد قارس وثلوج كثيفة مع حلول الشتاء، بعد أن باتت وسائل التدفئة صعبة المنال مع بروز أزمة وقود وارتفاع بأسعاره، بينما تلمح الحكومة إلى رفع الدعم عن المحروقات تحت وطأة الأزمة الاقتصادية التي تعتصر البلاد.

 

مطلع الأسبوع، عقد رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية، حسان دياب، اجتماعاً ضم وزراء وحاكم مصرف لبنان المركزي، رياض سلامة، وبحثوا رفع الدعم، بينما كانت الحكومة قد وافقت في وقت سابق من ديسمبر/كانون الأول الجاري، على الإبقاء على دعم الخبز والأدوية الأساسية.

 

ويعيش في لبنان أكثر من مليون لاجئ سوري مسجلين لدى المفوّضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. لكن الحكومة تقدر عددهم بـ 1.5 مليون لاجىء، 74% من هؤلاء يقيمون بطريقة غير شرعية، بحسب تقرير لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" الحقوقية الدولية عن عام 2018.

 

وعلى فترات، ظهرت مبادرات إنسانيّة لمساعدة هؤلاء اللاجئين، لكنّ شظايا الأزمات التي تعصف بلبنان طاولتهم مباشرة، فوجدوا أنفسهم ‏في خضم حالات العوز، خاصة في ظل تداعيات جائحة كورونا.

 

من مخيّم "برّ إلياس" في البقاع اللبناني، قال طارق زهوان، لوكالة "الأناضول": "منذ أزمة كورونا ونحن لا نعمل والأوضاع صعبة جداً هنا".

 

وأضاف زهوان (40 عاماً): "خيامنا في فصل الشتاء بحاجة إلى تأهيل سواء بالشوادر أو بالخشب، والأهم من ذلك يجب تأمين مادّة المازوت (وقود للتدفئة) بسبب البرد". وتابع :"لا أحد يستطيع أن يؤمّن كلّ ذلك، فنحن نعيش من دون مادّة المازوت ومن دون حطب وأغطية شتويّة".

 

أمّا سلمى السلام (45 عامًا)، التي هربت من سوريا خوفًا من قصف النظام للأحياء السكنيّة، فقالت لـ"الأناضول": "أحياناً ننام من دون تناول وجبة العشاء"، مضيفة "نعيش في حالة قاسية جداً ، أولادنا بحاجة للطعام، ولكنّ لا نملك أي شيء، خاصة في مخيمنا".

 

واستطردت: "سجلنا أسماءنا على لائحة المساعدات، ولكنّ للأسف الشديد يكون الردّ: نحن لسنا مسؤولين عنكم". بدورها اختصرت فاتن الخلاوي (30 عامًا) الحال في مخيّم "برّ إلياس" بقولها: "الشتاء بارد جداً هنا ووضعنا سيئ، لا سيّما وأنّنا نعيش في الخيام".

 

ولا تختلف معاناة "أم أحمد الدبوق" (45 عامًا) عما تواجهه فاتن، إذ قالت: "العيش في لبنان بات صعباً جداً، نحن بحاجة للكثير، لكن لا أحد ينظر إلى أحوالنا". ودعت الدبوق المنظمات إلى إعادة النظر بأحوالهم، موضحة: "نحن نشعر بضغوطات الحياة القاسية علينا".

 

ووصفت "أم عمر" (27 عامًا) الحالة التي تعيش بها بالمأساوية. وقالت : "لا طعام لا مازوت لا أغطية، وبالإضافة إلى كل ذلك المجارير (مياه الصرف غير المعالجة) تفيض علينا.. حالتنا إن صحّ التعبير يمكن القول عنها بالعاميّة بهدلة (يرثى لها)".

 

ويعاني لبنان، منذ أكثر من عام، أزمة اقتصادية هي الأسوأ منذ انتهاء الحرب الأهلية (1975- 1990) أدت إلى انهيار مالي، فضلاً عن خسائر مادية كبيرة تكبدها البنك المركزي.

 

ويرافق ذلك انهيار متواصل للعملة المحلية، في ظل فرضية قوية بتوجه السلطات إلى رفع الدعم عن المواد الاستهلاكية والوقود والدواء. ويبلغ سعر الدولار الواحد في السوق غير الرسمية 8100 ليرة، مقابل 1507.5 ليرة في السوق الرسمية، بينما يبلغ متوسط السعر المدعوم من المصرف المركزي 3200 ليرة.

 

الناطقة باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان، ليزا أبو خالد، قالت لـ"الأناضول"، إنّ "المفوضيّة تعمل جاهدة مع جميع الشركاء والجهات المانحة لضمان حصول الأسر المحتاجة على الدعم الذي تحتاج إليه لتخطي هذه الأوقات العصيبة".

 

وأضافت: "نظراً إلى التمويل المتاح للمساعدات الإنسانية، لا يمكننا الوصول سوى إلى 31% من العدد الإجمالي لعائلات اللاجئين السوريين عبر برنامج الدعم النقدي متعدد الأغراض والدعم الغذائي الشهري، و17% آخرين عبر برنامج المساعدات الغذائية".

 

وتابعت: "حاولنا توسيع نطاق شبكة الأمان قدر الإمكان هذا العام للوصول إلى المزيد من العائلات، غير أن ذلك لا يزال غير كافٍ إلى حد كبير".

 

وعن نسبة اللاجئين الذين يعيشون تحت خط الفقر، أجابت: "88% من اللاجئين السوريين في لبنان يعيشون اليوم تحت خط الفقر المدقع، الأمر الذي شكّل ارتفاعًا مقارنة بنسبة العام الماضي البالغة 55%".

 

وأضحى مصير الكثير من اللاجئين في لبنان أكثر ارتهاناً للظروف الاقتصادية في البلد في ظل انحسار المساعدات الدولية، بينما يشهد لبنان منذ العام الماضي 2019 انهياراً مالياً غير مسبوق، وتعثراً في سداد ديونه الضخمة.

 

وأصاب الشلل القطاع المصرفي وارتفع التضخم بشكل حاد، مسجلاً زيادة بنسبة 136.8% على أساس سنوي، خلال أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وفق البيانات الرسمية.

 

وتتزامن الأزمات مع أبواب توصد في وجه بيروت لتلقي الدعم المالي من منظمات التمويل والدول المانحة، بسبب عدم تشكيل حكومة جديدة حتى اليوم، وعدم القيام بأي إجراءات إصلاحية.

 

وطالب مانحون أجانب بإجراء تدقيق جنائي للبنك المركزي من بين إصلاحات رئيسية، قبل مساعدة لبنان على الخروج من الأزمة التي تعود جذورها إلى عقود من الهدر والفساد.

 

والتدقيق مطلب أساسي لصندوق النقد الدولي الذي توقفت محادثاته مع حكومة تصريف الأعمال، على خلفية عدم تنفيذ إصلاحات لمواجهة الفساد والهدر، وهو ما دفع الحكومة للاتفاق قبل أيام مع شركة "ألفاريز أند مارسال" المتخصصة في استشارات إعادة الهيكلة، على العودة لإجراء التدقيق الجنائي في حسابات "المركزي" بعد ان أعلنت الشركة في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، انسحابها لعدم تلقيها المعلومات اللازمة لإتمام المهمة.

 

وتوقع البنك الدولي في تقرير المرصد الاقتصادي للبنان، الصادر في وقت سابق من ديسمبر/ كانون الأول الجاري، أن يعاني لبنان من "ركود شاق وطويل"، وأن يسجل انكماشاً اقتصادياً بنسبة 19.2% بنهاية العام الجاري 2020، منتقداً السلطات اللبنانية بسبب "الغياب المتعمد لإجراءات فعالة" لإنهاء الأزمة الاقتصادية.

 

وقال البنك إن الفقر سيواصل التفاقم على الأرجح، ليصبح أكثر من نصف السكان فقراء بحلول عام 2021، فيما من المتوقع أن تبلغ نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي 194% ارتفاعاً من 171% في نهاية 2019.