الأثنين 2019/07/22

السوريون بالمغرب يقاومون محنة اللجوء

قطعوا دروباً شاقة في رحلة من المشرقِ إلى المغربِ، تركوا خلفهم ركامَ الحربِ وآلامها، ساعين وراء حُلمِ السلم والأمن لبناء حياة جديدة. اليوم، وبعد سنوات من وصولهم واستقرارهم، تتباين أوضاع اللاجئين السوريين في المغرب، بين من تمكّن من الاندماج ومن لا يزال يكافح ليحظى بفرصة العيش الكريم ومواجهة متطلبات الحياة الصعبة.

يقدَّر عدد اللاجئين السوريين في المغرب بأكثر من خمسة آلاف، يستقر أغلبهم بمدينتي الدار البيضاء والرباط ويتوزع الباقون على مدن أخرى. بعد أن تقاطعت مساراتهم خلال البدايات، تفرقت مع توالي السنوات، بين من نجح في تجاوز العوائق وبناء حياة جديدة، ومَن تَعثَّر ولا يزال يكابد فراق الوطن وآلام الغربة.

شاميُّو المغرب

من مدينة حمص قدم سمير إلى المغرب، واستقر به المقام في مدينة الدار البيضاء قبل 4 سنوات، زاول عدداً من المهن، واليوم يشتغل في مجال إعداد وبيع الحلويات السورية. عن فترة إقامته بالمغرب يقول سمير في تصريح لـTRT عربي "بعد السنوات القليلة التي قضيتها هنا لم أعد أحسّ بكوني لاجئاً، أعيش هنا مع أسرتي كمواطنين عاديين دون تمييز".

"لم أحسّ يوماً أني غريب أو أجنبي بين المغاربة"، يضيف سمير، مستعملاً كلمات من العامية المغربية، "عايشين مزيان، الشعب المغربي طيب، ويتعاملون معي معاملة أخوية ليس فقط في الجانب الشخصي، بل حتى في المسائل المرتبطة بالتجارة والشغل".

أمل، سيدة أربعينية من ريف حماة، تحكي بكثير من الحرقة عمّا خلّفَته الحرب من آلام في بلادها، وما واجهته مع أسرتها خلال رحلتها إلى المغرب قبل ست سنوات، تقول "البداية كانت صعبة، الأوضاع بسوريا خلّفت فينا جروحاً غائرة، ولم يكن الاندماج سهلاً في البداية".

عن أبرز الصعوبات التي واجهتها الأسرة، تشدّد أمل على مسألة اللغة، مشيرة إلى أنها شكلت لأسرتها عائقاً في التواصل والاندماج بالمغرب إلى جانب العادات والتقاليد، "كالأكل، في الأول وجدناه غريباً ولم نحبه، خصوصاً الكسكس، غير أنه مع توالي الأيام أصبح أكلة مفضَّلة ونُعِدُّه يوم الجمعة مثل باقي الأسر المغربية".

تضيف أمل "تجاوزت عوائق الاندماج مع مرور الوقت، بفضل معارفي من المغاربة الذين استقبلونا ومدُّوا لنا يد المساعدة، ولطالما أحسسنا بالأمان الذي افتقرنا إليه في وطننا".

بين الاستقرار والعبور

كان المغرب منذ بداية الحرب بسوريا، ملاذاً لآلاف اللاجئين، إذ شكّل للغالبية منهم محطة عبور إلى الضفة الأوروبية عبر إسبانيا، أكثر من كونه بلد استقرار. يقول فرعون جهاد رئيس جمعية "البيت السوري" بالمغرب "القسم الأكبر من السوريين الذين قرروا البقاء في المغرب، كانت لهم عائلات في المغرب، وقد سُوّيَت وضعيتهم القانونية، باستثناء الذين دخلوا بعد سنة 2017، فما زال بعضهم يواجه بعض المشكلات".

توفيق (اسم مستعار)، واحد من السوريين الذين لم يسوُّوا بعد وضعيتهم القانونية، تسلل إلى المغرب من الجزائر، قادماً من ليبيا قبل سنة ونيف، يقطن اليوم بمدينة الدار البيضاء، بعد أن عاش خلال الأشهر الماضية بمدينتي الناظور وطنجة (شماليّ المغرب).

يكشف توفيق في حديثه أنه منذ مغادرته سوريا سنة 2012، حاول الهجرة إلى أوروبا للحاق بمن بقي حيّاً من عائلته، مستعملاً كل الوسائل، غير أنه فشل، وبعد دخوله إلى المغرب حاول التسلل إلى مدينة مليلية التي تحتلّها إسبانيا، ولم يتمكن، وعاود الكَرَّة بشواطئ طنجة للهجرة عبر القوارب، رافضاً إعطاء تفاصيل أخرى.

يستقرّ توفيق اليوم بمدينة الدار البيضاء، يقوله إنه يحاول تدبير شؤونه الخاصة بالدريهمات التي يجنيها والمساعدات التي يحصل عليها، مشيراً إلى أنه يرفض فكرة الاستقرار بالمغرب أو أي بلد آخر بالمنطقة، وأنه سيحاول مجدَّداً عبور البحر الأبيض المتوسط، وبلوغ "حلمه الأوروبي" مهما كلفه الأمر، خصوصاً إن لم تتحسن أوضاعه الاجتماعية.

في الوقت الذي يصرّ فيه توفيق على مغادرة المغرب، تقول أمل إنها وعائلتها لا تراودهم الرغبة في الرحيل إلى أوروبا أو أي بلد آخر باستثناء بلدها، "سنغادر المغرب، فقط إذا عادت الأوضاع إلى ما كانت عليه في سوريا الوطن الأم، المغرب أصبح وطننا الثاني، ومنحَنا فرصة جديدة للحياة".

من جانبه يرفض سمير فكرة الهجرة من المغرب، مصرحاً "لم أفكر قَطّ في أن أغادر المغرب، رغم أن كل أهلي في أوروبا". أسرتي مرتاحة هنا وابني ذو الأعوام العشرة يدرس في مؤسسة عمومية في المستوى الثالث، ويتحدث الدارجة (العامية) المغربية كمغربي".

عوائق الاندماج

يقول جهاد فرعون إن أغلبية اللاجئين السوريين بالمغرب استطاعوا الاندماج بالمجتمع المغربي، رغم كونه (الاندماج) بطيئاً، مشيراً إلى أن من أبرز العوائق التي تقف في طريقهم مشكلة اللغة، إذ يتحدث عامة المغاربة الدارجة واللغة الأمازيغية بلهجاتها المختلفة، وفي التعليم وسوق الشغل للغة الفرنسية حضور كبير.

يضيف منسّق مبادرة "البيت السوري" بالمغرب "كان هذا المشكل قائماً، لكن اليوم المعظم تغلّب على هذا الموضوع، وبالنسبة إلى الأطفال فقد ولجوا المؤسسات التعليمية بالمغرب وتكيفوا مع نظامه التعليمي".

ويتقاطع عائق اللغة مع مشكل آخر هو ضعف فرص العمل المتاحة أمام اللاجئين، ذلك أن من أبرز العقبات التي واجهها سوريون في ولوج سوق الشغل، حسب ما استقاه موقعTRT عربي، عدم إجادتهم اللغة الفرنسية، التي تُعَدّ لغة أساسية في المغرب.

في هذا السياق يقول رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان عبد الإله الخضري، إن "المجتمع المغربي يعاني مشكلات الهشاشة والفقر والبطالة، ولم تقابل سياسة المغرب في فتح الباب أمام آلاف المهاجرين الأفارقة واللاجئين السورين، بتدابير سوسيو-اقتصادية محدَّدة لمساعدتهم في تحسين أوضاعهم والحصول على عمل، وبالتالي حياة كريمة".

وزاد المتحدث في تصريح للموقع، أن "الأوضاع الاجتماعية للاجئين السوريين بالمغرب، تختلف حسب ظروف العمل الشخصية لكل واحد، بين مَن أسّس مشاريعه الخاصة في قطاع الخدمات ومَن يعمل ويزاول حِرَفاً ومِهَناً موازية"، مبرزاً أنه خلال السنتين الماضيتين "لوحظ تسجيل تحسُّن أوضاع فئة كبيرة منهم، بعد تسوية وضعية كثيرين".

مبادرات مدنية

اعتُبر المغرب لسنوات بلداً مُصدّراً للمهاجرين، ثم تحول إلى بلد عبور، وفي السنوات الأخيرة أصبح حاضناً للمهاجرين، بعد تبنّيه الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء، ودعمه عدداً من الجمعيات والمبادرات التي تشتغل على هذه القضايا.

تعمل اليوم بالمغرب عشرات الجمعيات في مجال الدفاع ومساعدة المهاجرين واللاجئين، غير أن"عملها ظلّ مقتصراً على العمل الخيري الإحساني"، حسب جهاد فرعون، "وتَغيَّب عنها برامج للإدماج تدرس احتياجات الأشخاص وتأطيرهم، إذ تعالج ملفات المهاجرين بالشكل نفسه ووفق الصيغة ذاتها، رغم كونهم من جنسيات مختلفة".

وأشار جهاد إلى أن جمعية "البيت السوري" تسعى إلى ملء هذه الهوة، وتهدف إلى جمع السوريين في المغرب جميعاً في هيئة مدنية وفي إطار اجتماعي وثقافي وفكري، بما يساهم في تنمية علاقاتهم البينية وعلاقاتهم بالبلد المضيف المغرب وتطويره.

من جهته شدّد رئيس المركز المغربي على الدور الذي تلعبه جمعيات ومبادرات المجتمع المدني، مشيراً إلى أهميتها في احتضان ومساعدة اللاجئين، وتسهيل شروط الاندماج أمامهم في المجتمع المغربي، معتبراً أن للعمل المدني "أدواراً وقوة أكبر من السياسات العمومية في أحايين كثيرة".