الثلاثاء 2021/08/24

خبير بالنزاعات الدولية: لا نجاح لـ”طالبان” إلا بالمصالحة والتنمية

يرجح إبراهيم فريحات، أستاذ النزاعات الدولية في معهد الدوحة للدراسات العليا، أن حركة "طالبان" ستصطدم بمشكلتين، هما تنفيذ وعودها والحصول على شرعية دولية لحكومتها، في ظل انقسام المجتمع الدولي حولها بين "صقور" و"حمائم"، معتبرا أنه لا نجاح للحركة إلا بإنجاز مصالحة وطنية وتنمية شاملة لأفغانستان.

وفي 15 أغسطس/ آب الجاري، سيطرت "طالبان" على العاصمة كابل، بعدما شرعت في مايو/ أيار الماضي، بتوسيع سيطرتها، مع بدء المرحلة الأخيرة من انسحاب القوات الأمريكية، المقرر اكتماله بحلول نهاية الشهر الجاري، حيث اجتاحت الحركة، خلال أقل من 10 أيام، أفغانستان كلها تقريبا.

ويعتبر فريحات، في مقابلة مع الأناضول، أن "سقوط العاصمة الأفغانية لم يكن مفاجئا على الإطلاق".

ويقول إن "كابل لم تسقط في 15 أغسطس، بل في فبراير (شباط) 2020، عندما دخلت إدارة (الرئيس الأمريكي آنذاك دونالد) ترامب في مفاوضات مباشرة مع طالبان، واستثنت الحكومة الأفغانية، شريكها الأول، من المفاوضات".

ويتابع: "بعد أن وقعت إدارة ترامب اتفاقا مع طالبان في مفاوضات الدوحة (بشأن انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان)، تركت واشنطن الحكومة الأفغانية لقمة سائغة أمام الحركة".

وفي 2001، أسقط تحالف عسكري دولي، تقوده واشنطن، حكم "طالبان"؛ لارتباطها آنذاك بتنظيم "القاعدة"، الذي تبنى هجمات بالولايات المتحدة، في سبتمبر/ أيلول من ذلك العام.

** فشل أمريكي

ويصف فريحات، تعاطي الإدارة الأمريكية الجديدة، برئاسة جو بايدن، مع الوضع في أفغانستان وطريقة خروج قواتها من كابل بأنه "ضعيف للغاية".

ويردف أن واشنطن اعترفت بوجود تنسيق مع "طالبان" لخروج القوات الأمريكية من أفغانستان، وهو ما أقرت به "طالبان" أيضًا.

ويستطرد: "التنسيق بين الإدارة الأمريكية وطالبان اقتصر على خروج القوات الأمريكية بسلام، وهذا حصل بالفعل".

ويستدرك: "لكن التنسيق فشل في مواطن أخرى، مثلما رأينا المطارات وهي ممتلئة بالأفغان (الراغبين في مغادرة بلادهم)، والمواطنون الأفغان يسقطون من الطائرات (الخاصة بالإجلاء)".

ويتابع: "لم يحدث اشتباك واحد بين طالبان والقوات الأمريكية، ولم يُجرح جندي أمريكي، لكن التنسيق فشل في الأخذ بعين الاعتبار حلفاء واشنطن، وهم الحكومة الأفغانية ومن تعاملوا معها (من الأفغان) خلال 20 عاما".

** انتصار لـ"طالبان"

بالمقابل، يعتبر فريحات أن "طالبان حققت انتصارا كبيرا؛ بعد حربها لأكثر من 20 عاما ضد أمريكا وحلف الناتو (شمال الأطلسي)، حيث سيطرت على جميع الأراضي الأفغانية، وأهمها العاصمة كابل".

أما الولايات المتحدة، بحسب فريحات، فحققت إنجازا وحيدا، وهو ضمانها عدم تحول الأراضي الأفغانية إلى نقطة هجوم عليها مستقبلا، وهو أهم البنود الموقعة في اتفاق الدوحة، وفق تقديره.

ويستدرك: "لكن واشنطن خسرت في حربها على أفغانستان، خلال 20 عاما، أكثر من تريليوني دولار وآلاف القتلى من جنودها".

** صقور وحمائم

يقول فريحات إنه ثمة "ارتباك شديد" لدى المجتمع الدولي في طريقة تعامله مع "طالبان" وحكومتها المستقبلية.

ويعدّد أبرزها، من ذلك "الموقف الصقوري الفرنسي، إلى الأقل صقورية مثل الأمريكي والبريطاني، ثم إلى الموقف المعتدل، مثل موقف مفوض السياسية الخارجية للاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل، الذي اعترف صراحة بأن طالبان انتصرت وعلينا التعامل معها".

ويعتبر أن الموقف الروسي (بين ترحيب وتحذير) يعد "إرباكًا" لحركة "طالبان"؛ بسبب التناقضات الكبيرة في العلاقة بين روسيا وأفغانستان.

وفيما يتعلق بالموقف الصيني، يرى فريحات أنه "الموقف الأكثر حمائمية"، إذ أعلنت بكين سريعًا أنها تريد إعادة العلاقات مع أفغانستان، حيث إنها تحتاج إلى إعادة إعمار وبناء سوق اقتصادي كبير.

** رؤية مختلفة

يعتبر فريحات أنه توجد "رؤية مختلفة تمامًا لدى طالبان، غير التي سادت عندها في التسعينيات (من القرن الماضي)".

ويقول إن "طالبان حاليا ليست التي رأيناها في التسعينيات"، إذ إن الطريقة التي تدير بها اليوم تختلف عن السابق، مضيفا: "وليس بالضرورة أن الحركة قد اختلفت".

ويزيد: "طالبان اليوم تؤمن بحقوق المرأة، وتدعو الجميع إلى أن يكونوا جزءا من عملية إعادة بناء أفغانستان".

وبعد يومين من سيطرتها على كابل، أعلنت "طالبان" العفو العام عن موظفي الدولة، ودعت النساء إلى المشاركة بحكومتها المرتقبة، وتعهدت بألا تكون الأراضي الأفغانية منطلقا للإضرار بأي دولة أخرى.

ويتابع فريحات: "أعتقد أن طالبان، حتى هذه اللحظة، تدير الأزمة والمرحلة بانفتاح على جميع الأطراف، ومثال على ذلك العفو الذي أصدرته عن جميع من تعامل مع القوات الأمريكية".

لكنه يرجح أن الحركة ستصطدم بمشكلتين، الأولى هي أن "المجتمع الدولي لن يمنح الشرعية لحكومة لطالبان بهذه السهولة".

والثانية هي أن "طالبان ستصطدم قريبًا بمسألة تنفيذ وعودها وسياستها الجديدة على أرض الواقع"، بحسب فريحات.

ويكمل: "هذا لا يعني أن طالبان ستفشل حتمًا، ولا يعني نجاحها أيضًا، ولكن أنا أتحدث عن تحدٍ كبير أمام الحركة".

** متطلبات النجاح

وحول احتمال نجاح "طالبان" أو فشلها، يقول فريحات إذا استطاعت الحركة القيام بعملية تنمية شاملة وإعادة إعمار أفغانستان؛ فهذا هو "الأمر الوحيد الذي يضمن نجاحها في الحكم".

ويعرب عن اعتقاده بأن "أمن أفغانستان هو العامل المحوري والأساسي الذي تحتاج إليه طالبان في عمليات إعادة الإعمار، والحركة قادرة، من خلال قوتها العسكرية، على فرض الأمن في البلاد".

لكن في الوقت نفسه، يرى أن "طالبان" ما زالت بحاجة إلى عوامل أخرى، مثل دعم دولي، واقتصاد قوي، ومصالحة وطنية، وكل عامل من تلك العوامل له متطلباته وشروطه، على حد تعبيره.

ويشدد على أن "المصالحة الوطنية شرط أساسي لنجاح التنمية وإعادة الإعمار في أفغانستان، وهذا هو التحدي الأهم أمام طالبان".

ويختتم فريحات بقوله: "طالبان لديها الأمن، وهو شرط أساسي لعملية التنمية، لكنها لم تنجح بعد بتحقيق اختراقات على الساحة الدولية أو حتى مع المكونات السياسية الأخرى للمجتمع الأفغاني، وهي بحاجة ماسة لهذين العاملين لتحقيق النجاح بإدارة الحكم".