الأربعاء 2021/08/18

“الحزام والطريق”.. كيف وضعت أمريكا مصير أهم مشروع صيني بيد طالبان؟

 

أثار انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان وسيطرة حركة طالبان على العاصمة كابل -بشكل مفاجئ وسريع- التكهنات حول ما يتردد بشأن رغبة واشنطن في إفشال شراكة الصين مع العديد من الدول المجاورة وتخريب مبادرة "الحزام والطريق" بكامل فروعها.

مدينتان مهمتان في أفغانستان تقعان على طريق المبادرة التي كانت تسمى قديما "طريق الحرير"، وهما كابل (التي يطلق عليها اسم جوهرة الشرق) وننغرهار (حيث موقع "هَدّه" الأثري الذي يعد مهد الحضارة البوذية).

 

صراع محتدم

بدا واضحا أن الاستقرار الأمني والاقتصادي في أفغانستان هو الحلقة الأبرز في المعركة بين أكبر اقتصادين في العالم؛ الولايات المتحدة الأميركية والصين.

وتشكل المبادرة الصينية ـحسب خبراءـ تحديا كبيرا لمصالح الولايات المتحدة الاقتصادية والسياسية وملف تغير المناخ، خاصة في حال تم تشكيل المشروع بشكل مستدام ومسؤول.

ولم تتوقف محاولات الولايات المتحدة في السيطرة على قلب آسيا الوسطى في إطار حربها مع الصين؛ بهدف إفشال مبادرة الحزام والطريق الذي تحلم بكين في تحقيقه منذ مئات السنين.

وتعتمد إستراتيجية واشنطن في هذا السياق على دعم الانفصاليين الإيغور في منطقة شينجيانغ غرب الصين لتقسيمها تحت مسمى "تركستان الشرقية".

ومن جانب آخر، تواصل واشنطن دعمها لاستقلال مقاطعة "بلوشستان" جنوب غرب باكستان، وهو ما يعقد أو ينهي المصالح الصينية في المنطقة.

ويعد ميناء جوادر في بلوشستان نقطة تفتيش مهمة على طول مبادرة الحزام والطريق في الصين، وهي بمثابة وجهة نهائية للممر الاقتصادي بين الصين وباكستان وتسمح للصين بشحن الطاقة والبضائع من الصين إلى بحر العرب، متجاوزة جنوب شرق آسيا للشحن من وإلى الشرق الأوسط وأفريقيا وما وراءهما.

وتعول الولايات المتحدة على الدعم الذي تقدمه منذ 2012 لشعب بلوشستان وتدعم حقه في تقرير مصيره ما بين باكستان وإيران وأفغانستان.

أفغانستان.. دولة محورية في المشروع

تعتبر أفغانستان دولة مهمة في مبادرة الصين؛ حيث تعد الطريق الأقصر ما بين آسيا الوسطى وجنوب آسيا، وما بين الصين والشرق الأوسط.

وتعتبر الموارد الطبيعية في أفغانستان ذات أهمية كبرى خاصة في الفترة الأخيرة؛ حيث تمتلك الليثيوم والنحاس اللذين يستخدمان في البنى التحتية الخاصة بالسيارات الكهربائية.

كما تمتلك أفغانستان الذهب وخام الحديد والأحجار الكريمة، مما يجعلها أيضا منطقة إستراتيجية لجميع الدول.

وفي السنوات الأخيرة بدأ النفوذ الاقتصادي الصيني يرتفع في أفغانستان بشكل ملحوظ، ففي عام 2016 وقّعت بكين وكابل مذكرة تفاهم تعهدت من خلالها بكين بتمويل البلاد بـ100 مليون دولار على الأقل.

وفي سبتمبر/أيلول 2016، تم إطلاق قطار شحن مباشر من الصين إلى بلدة حيراتان الحدودية الأفغانية، كما أنشئ ممر جوي يربط بين كابل ومدينة أورومتشي الصينية.

أبرز المعلومات المتعلقة بالمشروع

ـ يعرف المشروع رسميا باسم "الحزام والطريق"، وهو مبادرة صينية قامت على أنقاض طريق الحرير القديم، ويهدف إلى ربط الصين بالعالم عبر استثمار مليارات الدولارات في البنى التحتية على طول طريق الحرير الذي يربطها بالقارة الأوروبية، ليكون أكبر مشروع بنية تحتية في تاريخ البشرية.

ـ يعود تاريخ طريق الحرير القديم إلى القرن الثاني قبل الميلاد، ويشير الاسم إلى شبكة الطرق البرية والبحرية التي ربطت بين الصين وأوروبا مرورا بالشرق الأوسط، بطول يتعدى 10 آلاف كيلومتر.

ـ بدأت محاولات الصين لإحياء طريق الحرير بداية تسعينيات القرن الـ20 الماضي، عبر ما عُرف بالجسر البري الأوروبي الآسيوي الذي يصل بين الصين وكازاخستان ومنغوليا وروسيا، ويصل إلى ألمانيا عبر سكك حديدية.

ـ تريد الصين من خلال الطريق الجديد تسريع وصول منتجاتها إلى الأسواق العالمية، بما في ذلك آسيا وأوروبا وأفريقيا وأميركا الجنوبية والوسطى.

– السابع من سبتمبر/أيلول 2013: تم الإعلان عن مبادرة الحزام والطريق على لسان الرئيس الصيني شي جين بينغ، ويشمل المشروع العالمي بناء مرافئ وطرقات وسكك حديدية ومناطق صناعية، ويضم حتى اللحظة 140 دولة.

ـ 26 أبريل/نيسان 2019: افتتح الرئيس الصيني شي جين بينغ قمة "طرق الحرير الجديدة"، وقد استمرت يومين بمشاركة ممثلين عن 150 بلدا، وهدفت الصين من خلال القمة إلى التسويق للمبادرة التي ستجعلها محورا للعلاقات الاقتصادية العالمية.

– يغطي المشروع 66 دولة في 3 قارات، هي آسيا وأوروبا وأفريقيا، وينقسم إلى 3 مستويات، تشمل مناطق محورية ومناطق للتوسع ومناطق فرعية.

– يتضمن المشروع فرعين رئيسين؛ البري "حزام طريق الحرير الاقتصادي"، والبحري "طريق الحرير البحري".

– يمتد طريق الحرير البحري من الساحل الصيني عبر سنغافورة والهند باتجاه البحر المتوسط، أما الفرع البري من المبادرة فيشمل 6 ممرات هي:

1- الجسر البري الأوراسي الجديد الذي يمتد من غربي الصين إلى روسيا الغربية.

2- ممر "الصين – مونغوليا – روسيا" الذي يمتد من شمالي الصين إلى الشرق الروسي.

3- ممر "الصين – آسيا الوسطى – آسيا الغربية" الذي يمتد من غربي الصين إلى تركيا.

4- ممر "الصين – شبه جزيرة الهند الصينية" الذي يمتد من جنوبي الصين إلى سنغافورة.

5- ممر "الصين – باكستان" الذي يمتد من جنوب غربي الصين إلى باكستان.

6- ممر "بنغلاديش – الصين – الهند – ميانمار" الذي يمتد من جنوبي الصين إلى الهند.

– منذ إطلاق الرئيس الصيني المشروع، استثمرت بلاده 80 مليار يورو في مشاريع متعددة، كما قدمت المصارف قروضا بقيمة تتراوح بين 175 و265 مليار يورو.

– روسيا وباكستان أبرز الدول الداعمة للمشروع، وهو ما ظهر من مشاركة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الباكستاني عمران خان في هذه القمة إلى جانب 35 رئيسا ورئيس وزراء من أوروبا وآسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.

– يدعم المشروعَ أيضا بريطانيا وتركيا ودول صغيرة مثل اليونان التي اعتبر وزير خارجيتها أنه يمثل قمة الانفتاح الاقتصادي في الوقت الذي تلجأ فيه الكثير من دول العالم إلى الانغلاق على نفسها اقتصاديا وسياسيا.

– وسط تنامي نفوذ الصين والشكوك الغربية حول نواياها، يزداد قلق الأوروبيين والأميركيين إزاء المشروع، وظهر هذا جليا في اقتصار مشاركة هذه الدول في قمة أبريل/ نيسان 2019 على الوزراء، بينما لم ترسل واشنطن أحدا.

– الاستثناء الأوروبي الوحيد كان رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي الذي انضمت بلاده إلى المبادرة الصينية في مارس/آذار 2019، لتكون أول دولة من مجموعة السبع تقدم على هذه الخطوة.

– حتى الآن وقعت 126 دولة و29 منظمة دولية اتفاقات تعاون مع بكين في إطار المشروع، لكن هذه الاتفاقات لا تنص على دعم غير مشروط للمشروع الصيني، بل يقترح بعضها التعاون في دولة ثالثة أو في مجال استثمار.

– يربط خط سكك حديدية الصين بأوروبا، ويصل 62 مدينة صينية بـ51 مدينة أوروبية متوزعة على 15 دولة. وقامت تلك القطارات بـ14.691 رحلة منذ إطلاقها عام 2011. ومن المقرر أن تربط سكتا حديد الصين بلاوس وتايلند.

– تجاوزت القيمة الإجمالية للبضائع المتبادلة في الاتجاهين 30 مليار يورو عام 2018.

– في كينيا، تصل سكة حديد مسماة "طرق الحرير" العاصمة نيروبي بمدينة مومباسا التي تحتوي على المرفأ الأبرز في البلاد المشرف على المحيط الهندي.

– وفي أوغندا، تم تعبيد طريق حديث يبلغ طوله 50 كيلومترا إلى المطار الدولي بالأموال الصينية، كما تكفلت الصين بتحويل مدينة ساحلية صغيرة في تنزانيا إلى ميناء قد يصبح أكبر موانئ القارة الأفريقية.

– في باكستان شيّدت سلسلة مشاريع بنى تحتية شملت طرقا وسككا حديدية ونقاط إنتاج طاقة، لتربط الساحل الجنوبي للبلاد بمدينة كشغار الصينية (شمال غرب)، كما يتضمن هذا المشروع -الذي يسمى "الممر الاقتصادي الصين-باكستان"- تشييد طرق سريعة وسدود كهرمائية وإدخال تعديلات على مرفأ غوادر الباكستاني على بحر العرب.

– تسعى باكستان عبر المشروع لتعزيز نموها القومي، أما الصين فتهدف لتأمين طريق أكثر سرعة وأمانا عبر هذا الطريق البحري لوارداتها النفطية من الشرق الأوسط.

– تقول صحيفة "نيويورك تايمز" (New York Times) إن الإنتاج الصناعي الصيني الفائض يعد أحد أهم الدوافع التي تقف خلف المبادرة. فعلى سبيل المثال، تنتج الصين نحو 1.1 مليار طن من الفولاذ سنويا، ولكنها لا تستهلك داخليا إلا 800 مليون طن.

ـ تمر غالبية التجارة المنقولة بحرا بين الصين وأوروبا عبر مضيق باب المندب، إلا أن هذا المسار التجاري يعرّض واردات الصين من الطاقة والسلع للانقطاعات والاضطرابات الناجمة عن القرصنة والتوترات الإقليمية والصراعات، ونتيجة لذلك، تهتم الصين بالدرجة الأولى بتأمين هذه الطرق التجارية جنبا إلى جنب مع البحث عن طرق بديلة أخرى لتجنب نقاط الاختناق البحرية.

ـ حسّنت الصين علاقاتها مع دول الشرق الأوسط بعد تنفيذ مشروع مبادرة الحزام والطريق، لتصبح شريكا رئيسيا للاستيراد والتصدير لدول المنطقة.

ـ أنشأت بكين صندوقا لتمويل المشاريع المرتكزة على المبادرة سمته "صندوق طريق الحرير"، أما القيمة المتوقعة لمشاريع المبادرة فيقدرها البعض بنحو تريليون دولار، وآخرون يقدرونها بـ8 تريليونات دولار، وينبع هذا التفاوت أساسا من أنّ المبادرة ما زالت في مرحلة سيولة، ولم يتحدّد بشكل نهائي الشركاء فيها والمشاريع التي سيتم تبنيها.

– يرى منتقدو المشروع أنه يعمل على تعزيز مواقع ونفوذ الشركات المتمركزة في الصين بشكل أساسي، وينصب في الوقت ذاته "فخوخا من الديون" للبلدان التي تستفيد من قروض تمنحها المصارف الصينية، لكن الصين تؤكد أن المبادرة تشمل مجموعة مشاريع تخدم البيئة وقابلة للاستمرار ماليا دون فساد.