الأربعاء 2018/01/10

استهداف القواعد الروسية في سوريا… من المسؤول؟

المصدر: واشنطن بوست

بقلم: ليز سلي

ترجمة: مركز الجسر للدراسات


استهدفت سلسلة من الهجمات الغامضة القاعدة العسكرية الروسية الرئيسية بسوريا، ومن ضمنها الهجوم الذي شنه سرب من الطائرات المسيرة بدون طيار والمسلحة، فكشفت ضعف روسيا المستمر على الرغم من ادعاءات فلاديمير بوتين بالانتصار في الحرب السورية.

طرحت هذه الهجمات مجموعة من التساؤلات حول الجهة التي تقف وراء هذا الاستهداف الذي يزيد من غموض الحرب في سوريا، وبات يمثل تحديا عسكريا كبيرا لروسيا، في وقت أعلنت فيه موسكو نيتها تخفيض وجودها العسكري في سوريا.

في هجوم غريب من نوعه، شنت أكثر من 12 طائرة بدون طيار انطلقت من موقع مجهول هجمات استهدفت قاعدة حميميم الجوية في محافظة اللاذقية، التي تمثل مقر العمليات الروسية بسوريا، كما شنت طائرات مماثلة هجوماً آخر على القاعدة البحرية الروسية قرب طرطوس.

وبحسب ما جاء في تصريحات روسية، فإن القوات الروسية تمكنت من إسقاط سبع طائرات من مجموع 13 طائرة بدون طيار، إذ استخدمت المضادات الإلكترونية للتحكم في الطائرات الست الباقية، ولم تحدث أي خسائر كبيرة جراء تلك الهجمات.

جاءت هذه الهجمات بعد أقل من أسبوع من مقتل جنديين روسيين في هجوم بقذائف الهاون، استهدف القاعدة نفسها والتي يبدو أنها تسبب في خسائر بالمعدات العسكرية الروسية هناك.

وكانت وزارة الدفاع الروسية قد نفت في بيان لها تقريرا نشرته صحيفة "كومرسانت" الروسية، أن سبعة من الطائرات الحربية تضررت، ما أدى إلى تعطلها نتيجة الهجوم بقذائف صاروخية، بما في ذلك اثنتان من الطائرات المقاتلة من طراز "سو-35"، وأربع طائرات هجومية من طراز "سو-24"، قد خرجت من الخدمة، ما يمثل أسوأ هجوم تتعرض له القوات الروسية منذ عقود. وكان  صحفي روسي نشر صوراً تُظهر تعرُّض العديد من الطائرات الروسية لأضرار بفعل الهجمات التي جرت بطائرات من دون طيار وبقذائف الهاون على القواعد الروسية في سوريا.

وتعد هذه الهجمات الأكثر نجاحا على المواقع الروسية منذ التدخل العسكري الروسي في الحرب السورية عام 2015، حيث أسهم هذا التدخل بشكل كبير في تحقيق هدفه المتمثل في دعم معركة بشار الأسد لقمع الثورة التي استمرت سبع سنوات ضد حكمه. وقالت وسائل إعلام روسية إنه بالإضافة إلى الهجمات التي استهدفت القواعد العسكرية الروسية، حدثت هجمات على مواقع لتجمعات القوات الروسية في كل من محافظتي حمص واللاذقية وهجوم آخر على قاعدة حميميم، كلها خلال الأسبوعين الماضيين.

يقول مكسيم سوشكوف، عضو في مجلس الشؤون الدولية الروسي، وهو كاتب له مقالات عدة بموقع "المونيتور"، إن قاعدة حميميم التي تشكل قلب العمليات العسكرية الروسية في سوريا، كانت تبدو مُحصّنة ضد أي هجوم.

مضيفا أن الروس "كانوا يعتقدون أنها آمنة، لكن يبدو أن العكس هو الحاصل الآن"، ومن بين الأسئلة التي تُطرح في موسكو الآن هي إذا ما كان الجيش الروسي قد أمّن الحماية الكافية للقاعدة، أو إذا ما كان قد فشل في اكتشاف التكنولوجيا الجديدة التي يستخدمها خصومه.

وترى جينفر كافلاريلا، عضو في معهد دراسات الحرب في واشنطن، أن الهجمات التي حصلت تثير العديد من التساؤلات حول استمرارية المكاسب الروسية في سوريا من عدمها. ففي كانون الأول/ ديسمبر الماضي أعلن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، خلال زيارته لقاعدة حميميم، أن قواته ستبدأ بخفض وجودها بسوريا لأن الحرب في سوريا تُشرف على الانتهاء.

إن الأحداث الأخيرة دليل واضح على أن "من قام بهذه الهجمات لا تزال لديه القدرة على اختراق مواقع النظام وتكبيد الروس خسائر" مضيفة أن " المكاسب التي حققها نظام الأسد ليست آمنة بل ويتهددها خطر أن تكون مؤقتة".

لعل السؤال الأكبر، الآن هو من المسؤول عن تلك الهجمات؟  وما يجعل هذه الهجمات غريبة هو أنه لم تتبنَّها أية جهة، ما أثار موجة من التكهنات في وسائل الإعلام الروسية والسورية حول هوية منفذيها.

اتهمت وزارة الدفاع الروسية الثلاثاء الماضي، الولايات المتحدة بالوقوف وراء الهجوم بطائرات بدون طيار، مشيرة إلى أن هجوما من هذا النوع يتطلب خبرات عالية لا تتملكها أي من المجموعات المسلحة في سوريا. وما يزيد من هذه الشكوك هو أن "طائرة استطلاع أمريكية، من نوع بوسيدون، كانت تحلّق في سماء المنطقة مدة أربع ساعات خلال الهجوم".

وصف المتحدث باسم البنتاغون، إريك باهون، هذا الادعاء "بالمغرض"، مضيفاً أن تنظيم الدولة سبق له أن استخدم مثل هذا النوع من الطائرات ضد القوات الأمريكية بالعراق وفي شرق سوريا، دون أن تُخلِّف "ضرراً كبيراً"، وأن الطائرات بدون طيار متوفرة في الأسواق.

لكن أقرب المواقع التابعة لتنظيم الدولة في سوريا تقع على بُعد مئات الأميال من المقاطعة الساحلية، حيث تقع قاعدة حميميم، ما يجعل الأمر مستبعدا.

علاوة على ذلك، فإن معظم طائرات تنظيم الدولة التي استُخدمت في هجمات سابقة ضد القوات الأمريكية، لم يتجاوز نطاقها كيلومترين، بحسب تحليل لمجموعة للاستشارة الحربية. وجاء في تصريح لوزارة الدفاع الروسية أن الطائرات التي هاجمت القاعدة الروسية جاءت من مسافة ما بين 50 و100 كيلومتر، ما جعلها أكثر تطورا، ويوسع من دائرة الفاعلين المحتملين.

يقول سوشكوف إن هناك عددا لا يحصى من جماعات في المعارضة السورية التي يمكن أن تكون خلف هذه الهجمات. إلا أنه لا تتوفر أي مجموعة منها على قذائف هاون، كما إنهم يعلنون مسؤوليتهم عن كل عملياتهم. "وإذا كانت المعارضة مسؤولة عن تلك الهجمات، فإنها تميل إلى بثِّ كل شيء والتباهي به".

ومن بين النظريات المنتشرة على نطاق واسع، أن العلويين الساخطين على نظام الأسد، هم من يقفون وراء الهجوم، حيث أعقب هذا الهجوم تصريح حوله لحركة على الإنترنت تسمي نفسها "حركة العلويين الأحرار"، خاصة وأن القاعدة تقع في منطقة ذات أغلبية علوية. وكانت الحركة قد حذّرت في وقت سابق العلويين المؤيدين للنظام بأن الهجوم يُظهر عجز الأسد، إلا أنها لم تتبنَّ الهجوم بشكل علني. في الوقت الذي شكك فيه عدد من العلويين المعارضين للنظام من أن تكون الحركة حقيقية، اتهموا وكالات الاستخبارات الأجنبية بسعيها إلى خلق صراع بين الموالين للنظام.

وهناك رواية أخرى، خرجت بها وسائل إعلام المعارضة السورية، حيث أشارت إلى أن مليشيا مسلحة تابعة لإيران وتعمل لصالح النظام، هي من يقف وراء تلك الهجمات، وذلك في إطار الجهود الإيرانية لتقويض الجهود الروسية، الرامية إلى فرض تسوية سلمية في سوريا والتي من شأنها أن تؤدي بالمحصِّلة إلى تقويض المصالح الإيرانية.

يقول سوشكوف، "هناك الكثير من الفرضيات، لكن ما حدث يبقى لغزا في الوقت الحالي".