الجمعة 2018/10/05

واشنطن بوست: ترامب يفرض المزيد من العزلة الدبلوماسية على إيران

بقلم: إيشان ثارور

المصدر: واشنطن بوست

ترجمة: مركز الجسر للدراسات


لم يلاقِ قرار الرئيس ترامب بفرض عقوبات اقتصادية جديدة على إيران ترحيباً من المجتمع الدولي. فقد أصدرت المحكمة العليا للأمم المتحدة قراراً، هذا الأسبوع، يُلزم الولايات المتحدة بإزالة القيود المفروضة على عمليات تصدير السلع والخدمات إلى إيران.

قام مسؤولون إيرانيون برفع دعوى إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، يدَّعون فيها بأن قرار ترامب بالانسحاب من الصفقة النووية مع إيران وإعادة فرض العقوبات عليها، بالإضافة إلى عدة أمور أخرى، هو انتهاك لمعاهدة الصداقة الموقعة بين البلدين عام 1955. لم تُصدر المحكمة حكماً ضد كل العقوبات المفروضة كما كان يأمل الإيرانيون، لكن حكمها كان كافياً لتحقيق "نصر معنوي".

لكن ليس لدى محكمة العدل الدولية السلطة لإنفاذ أحكامها، كما لن تسمح إدارة ترامب لقضاة أجانب بتقييد الإجراءات التي تتخذها. فقد أعلن وزير الخارجية، مايك بومبيو، أن الولايات المتحدة تنسحب من معاهدة الصداقة. مدعياً أن إيران قد قامت بانتهاك بنود هذه المعاهدة "لفترة طويلة للغاية".

بعد ذلك، في مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض، أعلن مستشار الأمن القومي، جون بولتون، أن الإدارة تُعيد النظر في جميع الاتفاقات التي يمكن أن تُعرّض الولايات المتحدة للمساءلة القضائية. مضيفاً أن واشنطن ستنسحب من إجراءات تعديل اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، وهو "بروتوكول اختياري" سمح للمسؤولين الفلسطينيين بتقديم دعوى ضد الولايات المتحدة في محكمة العدل الدولية الأسبوع الماضي، إثر نقل الولايات المتحدة سفارتها إلى القدس.

وقال بولتون "لن تجلس الولايات المتحدة مكتوفة الأيدي في الوقت الذي يتم فيه توجيه اتهامات ذات طابع سياسي ولا أساس لها من الصحة ضدنا". وردا على سؤال حول رد طهران أجاب قائلاً "إن إيران نظام مارق ... لذلك لا نأخذ ما يقولونه على محمل الجد على الإطلاق".

لكن الحكومات الأخرى لا تزال تفعل ذلك. فخلال الاجتماعات التي عُقدت في الأمم المتحدة الأسبوع الماضي، استنكر كل من ترامب وبومبيو وبولتون الأعمال التي تقوم بها إيران، ودعوا الدول الأعضاء الأخرى وهيئات الأمم المتحدة إلى عدم التغاضي عن المصالح الأمريكية، لكن دون نتيجة تُذكر. فخلال جلسة في مجلس الأمن برئاسة ترامب، استنكر جميع أعضاء الهيئات التابعة للأمم المتحدة قرار واشنطن الانسحاب من الاتفاق النووي، باعتباره إحدى القرارات التي أقرها مجلس الأمن.

تتمتع القيادة السياسية الإيرانية بلحظة التضامن الدولي هذه، فبعد قرار محكمة العدل الدولية، وصف وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، الولايات المتحدة بأنها "نظام خارج على القانون" ويسعى إلى تطبيق "أجندات عدائية"، مردّداً الخطاب الأمريكي بخصوص طهران. في غضون ذلك، رحّب الرئيس الإيراني حسن روحاني باقتراح أوروبي لإنشاء نظام مقايضة يسمح للشركات بالتعامل مع إيران وتجنُّب العقوبات الأمريكية، منوّها بالجهود الأوروبية حيث قال "لقد اتخذت أوروبا خطوة كبيرة بهذا الصدد".

تأمل إيران أن يعطي قرار محكمة العدل الدولية، على الرغم من رمزيته، دفعة مماثلة لطموحاتها التجارية. وكتبت آنا هوليغان، مراسلة قناة "بي بي سي" في لاهاي: "يمكن أن يشجع القرار الشركاتِ الأوروبية، التي توقفت عن التعامل التجاري مع إيران خوفاً من غضب الرئيس ترامب، على إعادة النظر في موقفها، وبالتحديد تلك الشركات التي تقوم تعاملاتها التجارية على المواد الإنسانية التي تضمّنها قرار المحكمة".

بعيدا عن غرف منظمات الأمم المتحدة، فإن الصورة أكثر قتامة بالنسبة لطهران. فقد عانى القطاع المالي الإيراني من الفوضى لفترة طويلة. خسرت عملتها، الريال، حوالي 70٪ من قيمتها منذ أيار/مايو الماضي.  ويتوقع مجموعة من المحللين الاقتصاديين أن يتراجع اقتصاد البلاد بحوالي 4٪ خلال سنة 2019،  وهو انهيار يرجع بشكل كبير إلى فرض عقوبات اقتصادية على النفط، ومن المقرر إعادة فرضها الشهر المقبل.

وقال باتريك كلاوسون، مدير الأبحاث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، خلال اجتماع له مع عدة خبراء سياسيين في مركز المصلحة الوطنية بواشنطن: "سيكون لهذه الضغوط تأثيرها وهذا سيجعل إدارة ترامب وراء ما كان سيحدث على أية حال".

وكان قد أشار ترامب إلى الصعوبات التي يواجهها النظام الإيراني، فضلا عن الاحتجاجات الاقتصادية التي اندلعت في أجزاء مختلفة من البلاد، كدليل على وجود أمة مستعدة للتغيير السياسي الحقيقي. يعتقد ترامب وصقور إيران أن العقوبات ستزيد من عدد المعارضين الإيرانيين وتجبر قادة البلاد على وقف دعمهم لوكلائهم في الشرق الأوسط.

لكن بعض المحللين يخشون من أن يكون للعقوبات الأمريكية أثر عكسي. أثارت شخصيات مثل روحاني وظريف غضبا شعبيا بسبب سوء الإدارة الاقتصادية للبلاد، لكنهم لم يتخذوا القرارات النهائية بشأن الخطط العسكرية الإيرانية في الخارج، إذ يسيطر التيار المتشدد، ولا سيما قادة "الحرس الثوري الإيراني"، على تلك الملفات.

أظهرت الانتخابات الأخيرة أن الإيرانيين ما زالوا يدعمون سياسة بلادهم الخارجية بشكل كبير، ما لا يعطي نظام الملالي سبباً كافياً لتغيير سياساتهم.

وقالت باربارا سليفن، العضو في المجلس الأطلسي: "لقد غيّرنا من سياسة الجمهورية الإيرانية، لكن ليس بالطريقة الصحيحة". وأشارت إلى تزايد شعبية قاسم سليماني، وهو قائد رئيسي في الحرس الثوري الإيراني، الذي تقوم المليشيات التابعة له بشن عمليات في كل من العراق وسوريا واليمن.

وأضافت سليفن "كنت أظن أن انخراط إيران بالعالم سيجعلها أكثر تحرراً"، مشيرة إلى آمال الكثير من الناس الذين أيدوا الصفقة النووية... مضيفة: "أما الآن فسيصبح جيشها أقوى".  كما يخشى حلفاء الولايات المتحدة الرئيسيون من استراتيجية ترامب. وفي حديث له مع الصحفيين في واشنطن هذا الأسبوع، حذر أحمد محجوب، كبير المتحدثين باسم الشؤون الخارجية في العراق، من أن العقوبات ستضر بالعراقيين الذين هم عرضة للفوضى الاقتصادية التي ستحدث في الجوار.

وأشار إلى فشل العقوبات الأمريكية المفروضة على حكومة صدام حسين عام 1990. وقال إن العقوبات "تضر الناس، وليس النظام السياسي". مضيفا أن "فرضها عقيم وسيضر الإيرانيين الذين قد يكونون متعاطفين مع الولايات المتحدة".