الأربعاء 2018/10/03

واشنطن بوست: القوات الأميركية ستبقى في سوريا لعقود

بقلم: ميسي راين وبول سون وجون هودسن

المصدر: واشنطن بوست

ترجمة: مركز الجسر للدراسات

فتحت إدارة ترامب فصلاً جديداً للتدخل الأميركي في سوريا، وتعهدت بالبقاء هناك حتى نهاية الحرب، في محاولة لكبح جماح إيران بالشرق الأوسط.

إن الرؤية التي عبّر عنها كبار المسؤولين الأمريكيين الأسبوع الماضي، تشير إلى تغير جذري في سياسة الإدارة الأمريكية بعد ستة أشهر فقط من إعلان الرئيس ترامب اعتزامه سحب القوات الأمريكية من سوريا، وإنهاء المشاركة الأمريكية في حرب أسفرت عن مقتل نصف مليون شخص على الأقل، وتسببت في إرباك إدارتين.

قال جيمس جيفري، الممثل الخاص لوزارة الخارجية الأمريكية في سوريا، إن الولايات المتحدة ستبقى في سوريا، ومن المحتمل أن تقوم بتوسيع مهمتها العسكرية هناك، إلى أن تسحب إيران جنودها والمليشيات التابعة لها من الأراضي السورية. ويرى مسؤولون أمريكيون أن انسحاب إيران سيكون رهينا بتوصل القوى العالمية إلى اتفاق ينهي الحرب.

وقال جيفري للصحفيين يوم الخميس الماضي "يريد الرئيس إبقاء القوات الأمريكية في سوريا إلى حين خروج إيران من هناك والإيفاء بالشروط الأخرى". مضيفا أن الانسحاب الامريكي مرهون أيضا بالقضاء على مقاتلي تنظيم الدولة بشكل كامل.

تحدث جيفري لأول مرة بعد أيام من إعلان مستشار الأمن القومي، جون بولتون، نية الولايات المتحدة بعدم الانسحاب من سوريا "طالما أن القوات الإيرانية خارج الحدود الإيرانية"، وقيّد وجود الولايات المتحدة في سوريا بالوجود الإيراني.

تزيد الاستراتيجية الجديدة من حدة المخاطر المحدقة بإدارة ترامب في سوريا، إذ عليها أن تتخطى أولا مجموعة من العقبات، التي تقف حجرة عثرة بينها وبين أهدافها، التي تشمل الدعم الروسي لبشار الأسد، حيث كان هذا الدعم حاجزا أماما تقديم هذا الأخير التنازلات اللازمة لإنهاء القتال.

كما إنه من المستبعد أن تتخلى إيران بسهولة عن المناطق التي تسيطر عليها بالقرب من البحر المتوسط بعد أن استثمرت لعقود من الزمن، لتقوم بعدها بتوسيع استثماراتها هذه بشكل كبير بعد اندلاع الحرب عام 2011.

جعلت إدارة ترامب مواجهة إيران والقوات التابعة لها، المنتشرة في كل من لبنان مرورا بالعراق ووصولا اليمن، هدفا رئيسيا لها في الشرق الأوسط.

يُعتقد أن الحرس الثوري الإيراني يملك ما لا يقل عن 10آلاف مقاتل في سوريا وحدها، معظمهم من المليشيات الشيعية وقوات النظام، حيث يشكلون العمود الفقري للقوات التي ساعدت الأسد على استعادة مساحات شاسعة من البلاد من أيدي الثوار.

وقال فيصل عيتاني، وهو باحث في شؤون الشرق الأوسط بالمجلس الأطلسي، "يبدو أن المسؤولين الأمريكيين يأملون في أن تؤدي المباحثات التي تدعمها الأمم المتحدة إلى تسوية نهائية، أو إنهم يستعدون لتوسيع عملياتهم على الأرض، في ظل وجود إمكانية لإبرام صفقة في المستقبل القريب".

مضيفا: "لذا فإما أننا نسعى إلى تضليل الرأي العام والبقاء في سوريا إلى أجل غير مسمى أو أننا نضلل أنفسنا من خلال الاعتقاد بأن التوصل إلى حل تفاوضي أمر سهل".

كلف مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة مبعوثه بالإشراف على صياغة دستور سوري جديد، وهي خطوة يرفضها نظام الأسد حتى الساعة، ويمكن اعتبارها آخر خطوة قامت بها الأمم المتحدة خلال سعيها الحثيث للعب دور الوسيط من أجل إحلال السلام.

تماشيا مع الاستراتيجية الجديدة، غير المسؤولون الأمريكيون تصريحاتهم حول مدة المتبقية للقوات الأمريكية في سوريا، التي يبلغ قوامها نحو 2000 جندي، إلى التصريح بأن الحرب ضد تنظيم الدولة مستمرة.

تواصل القوات الأمريكية العمل مع الأكراد لملاحقة مجموعات صغيرة من مقاتلي تنظيم الدولة شرق سوريا، حيث تعتبر المعقل الأخير لمقاتلي هذا التنظيم.

في وقت سابق، صرح مسؤولون في البنتاغون بأن القوات الأمريكية ستغادر سوريا بعد استعادة القوات المحلية السيطرة على المناطق التي كان يسيطر عليها تنظيم الدولة، ما يشير إلى تمديد بسيط في فترة وجود هذه القوات بعد تطهير تلك المناطق من مقاتلي التنظيم. أما الآن، فيبدو أن هؤلاء المسؤولين يربطون الانتهاء من مهمة القضاء على تنظيم الدولة بهدف أشمل وهو تحقيق الاستقرار في سوريا ووضع نهاية للحرب.

وفي تصريح أدلاه للصحفيين الأسبوع الماضي، قال وزير الدفاع الأمريكي، جيمس ماتيس، إن القوات الأمريكية ستبقى في سوريا إلى حين التأكد من قدرة القوات المحلية على منع عودة مقاتلي تنظيم الدولة كما حدث في العراق بعد الانسحاب القوات الأمريكية عام 2011.

وقال ماتيس: " ليس من السهل اتخاذ قرار كهذا عندما تكون في مواجهة ضد تنظيم الدولة"، موضحا أن الوجود العسكري الأمريكي لن يكون دائما، لأن الأمم المتحدة ستلعب دور الوسيط في اتفاق "لإيجاد حل لهذه المشكلة".

يصر البنتاغون على أن المهمة العسكرية الأمريكية في سوريا لم تتغير، فهي تقتصر، بموجب القانون، على محاربة تنظيم الدولة والقضاء عليه. لكن لوجود القوات الأمريكية هناك "مكسب ثانوي" عبر التصدي لإيران بحسب ما جاء على لسان مسؤولين في البنتاغون.

تحرص إدارة ترامب على خروج إيران من سوريا، لمساعدة حليفتها إسرائيل، التي نفذت عددًا من الهجمات هذا العام على أهداف عسكرية إيرانية في سوريا.

قال جيفري إن الحملة قد تتضمن القيام بمهمة عسكرية طويلة الأمد ولكنها قد تستلزم تدخلا دبلوماسيا أو تقديم الدعم لقوات حليفة.

موضحا "أن الأمر يتعلق بممارسة ضغوط سياسية، إذ نعتقد أن النظام، أو أي حكومة أخرى يتم إنشاؤها عند الانتهاء من هذه العملية السياسية، أو في أي مرحلة من مراحل العملية السياسية، لن تشعر بالحاجة لوجود قوات إيرانية هناك"، مضيفا "لن نقوم بإجبار الإيرانيين على الخروج من سوريا، كما لا نعتقد أن الروس قادرون على إجبار الإيرانيين على الخروج من هناك".

يقول خبراء في شؤون الشرق الأوسط إن هذا التغيير في الرسائل واللهجة يشير إلى رغبة كبيرة من جانب إدارة ترامب في الاستفادة من الوجود العسكري لتحقيق استراتيجيتها الكبرى لعزل إيران. عارض بولتون، شأنه شأن ترامب الاتفاق النووي الذي أبرمه الرئيس باراك أوباما مع إيران، وقد أكد بانتظام ضرورة منع طهران من إنشاء "الهلال الشيعي" الذي يبدأ من إيران ويمر عبر العراق وسوريا ولبنان ليصل إلى الحدود الإسرائيلية.

يقول إيريك إيدلمان، الذي يشغل منصب مستشار في مركز التقييم الاستراتيجي والمالي، والذي عمل سفيرا للولايات المتحدة في تركيا وفنلندا ومسؤولا في البنتاغون أثناء رئاسة جورج دبليو بوش: "إن كل ما يحدث هو بهدف تقييد نفوذ إيران في المنطقة".

يتفق المحللون على أن استمرار وجود القوات الإيرانية وحزب الله والمليشيات الشيعية الأخرى في دولة ذات أغلبية سنية سيؤدي إلى إشعال فتيل التطرف.

يقول تشارلز ليستر، وهو عضو بارز في معهد الشرق الأوسط، سيستفيد تنظيم القاعدة من تلك التوترات الطائفية، لأن الجماعة السنية المتطرفة قدمت الإيرانيين كعدو أساسي وبدأت في تنفيذ عملياتها هناك كحركة ثورية سورية ضد الأسد، وعلى أن الأقلية العلوية والمليشيات الشيعية تقاتل من أجله. يشكك الكثيرون في مدى نجاح استراتيجية الإدارة الأمريكية.

يقول روبرت مالي، الذي يرأس مجموعة الأزمات الدولية وأشرف على سياسة الشرق الأوسط في البيت الأبيض خلال الفترة الرئاسية لأوباما، "إن الفكرة القائلة بأن إيران ستنسحب أو سيتم طردها من سوريا في المستقبل المنظور هي فكرة بعيدة عن الواقع"، موضحا قوله "لقد كانت إيران أكثر حلفاء نظام الأسد ثباتا".

وفقاً لأحد الدبلوماسيين الغربيين، فقد أنفقت إيران عشرات المليارات من الدولارات في سوريا وخسرت آلاف المقاتلين دعما لنظام الأسد. وقال أحد الدبلوماسيين، الذي تحدث إلينا شريطة عدم الكشف عن هويته، إنه إذا ما حافظت الولايات المتحدة على وجودها العسكري في سوريا طوال فترة وجود الإيرانيين، فإن ذلك يعني "بقاءها في سوريا لعقود كأقل تقدير".

وقال فريد كاغان ، الباحث في معهد أميركان إنتربرايز الأمريكي للأبحاث السياسية العامة، إن الإدارة ستحتاج إلى وضع خطة تفصيلية للضغط على طهران خارج نطاق العقوبات الاقتصادية التي استخدمتها لاستهداف طهران حتى الآن.

مضيفا أن الوسائل غير المباشرة قد تدفع إيران إلى تقليص وجودها العسكري في سوريا، لكن ربما ليس بالقدر المطلوب، موضحا أنه "إذا كنا جادين في الوصول إلى الأهداف التي وضعها بولتون وغيره، فسنحتاج إلى بذل المزيد من الجهود".

يتساءل الكثيرون حول رؤية الرئيس الأمريكي للاستراتيجية الجديدة، حيث أعرب عن معارضته للتدخل الأمريكي في السياسات الأجنبية ووعد في وقت سابق من هذا العام بأن تغادر القوات الأمريكية سوريا "في القريب العاجل".

إن وجود الولايات المتحدة لمدة طويلة في سوريا يزيد من احتمالية دخول هذه الأخيرة في مواجهة مع إيران. ففي الوقت الذي تنتشر فيه القوات الأمريكية والقوات الإيرانية في مناطق مختلفة، إلا أن هذه القوات قد شهدت اشتباكات عندما اقترب المقاتلون الذين تدعمهم إيران من المواقع الأمريكية.

ويقول جيفري ومسؤولون آخرون إن ترامب أعرب عن التزام قوي بالبقاء في سوريا، وقد يرى البيت الأبيض في ذلك فرصة لكبح إيران، ولكن من غير المعروف كيف سيتعامل الرئيس مع زيادة الخسائر البشرية أو مع التحديات المباشرة التي قد تظهر أمام القوات الأمريكية أو شركائها في المنطقة.

لقد أعطى ترامب بالفعل الضوء الأخضر لشن غارة تستهدف المنشآت العسكرية التابعة للنظام ردا على الهجمات الكيماوية التي شنها على المدنيين. لكن لم يتم اختباره بعد من خلال شن هجمات مستمرة على القوات الأمريكية من قبل المليشيات التابعة لإيران، كتلك التي أودت بحياة ما لا يقل عن 500 أمريكي في العراق بعد عام 2003، أو تعرض القوات التي تدعمها الولايات المتحدة إلى هجمات من قبل المليشيات التابعة لإيران.

تعقيبا على هذا الأمر، قال ليستر: "حتى صقور إيران سيواجهون تحديًا كبيرًا لإقناع الرئيس والدفع به للمجازفة، وأعتقد أن إيران تعي ذلك جيدا".