الثلاثاء 2018/10/09

فورين بوليسي: اختفاء “جمال خاشقجي” صفعة للولايات المتحدة

بقلم: ويل إنبودن

المصدر: فورين بوليسي

ترجمة: مركز الجسر للدراسات

ينبغي على واشنطن القيام ببعض الإجراءات الجذرية التي من شأنها أن تفرض عقوبات حقيقية على ولي عهد السعودية محمد بن سلمان.

تعتبر السعودية واحدة من أهم حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، إلا أن نظامها يقوم على الاستبداد ومعاقبة المعارضين واضطهاد عامة الشعب، هذا بالإضافة إلى أن هذا النظام يساهم في نشر التعصب الديني في أنحاء العالم. تلخص هاتان الحقيقتان التحدي الاستراتيجي الذي واجهته الولايات المتحدة في السياسة التي تتبناها بخصوص المملكة على مدى العقود الماضية. لقد عرفت العلاقات الأمريكية السعودية العديد من الخلافات والأزمات من قبل، كان أشدها خطورة الحظر الذي فرضته منظمة أوبك على النفط سنة 1973 وهجمات 11 أيلول/ سبتمبر، عندما تبين أن 15 من أصل 19 منفذا لتلك الهجمات مواطنون سعوديون. وعلى الرغم من ذلك كله، فقد استطاع القادة الأمريكيون رفقة نظرائهم السعوديين السير على حبل مشدود دون مشاكل.

أما اليوم، مع اختفاء الصحفي السعودي المخضرم جمال خاشقجي، فقد بدأ هذا الحبل المشدود بالاهتزاز مجددا. وكما يعلم الجميع، ينحدر خاشقجي من عائلة سعودية معروفة، كان يعيش حياة مشوبة بالحذر باعتباره مقربا من العائلة الحاكمة وناقدا للنظام الحاكم، حيث عمل مؤخرا ككاتب في قسم الآراء العالمية بصحيفة "واشنطن بوست" في الولايات المتحدة، إلى أن اختفى، يوم الثلاثاء الماضي، خلال زيارة روتينية للقنصلية السعودية في إسطنبول.

جاء في بعض التقارير عن مصادر تركية مجهولة المصدر إن خاشقجي قد قتل على أيدي قتَلة سعوديين. وحتى حين كتابة هذا التقرير، لم يتم تأكيد أي شيء بعد، ومع ذلك، فإن احتمال ظهوره غير وارد بسبب ترجيح احتمالية أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قد أمر بقتله.

فإذا ما افترضنا أن خاشقجي قد مات فعلا، فإن قتله استهانة بالدعم الأمريكي لآل سعود. لم يكن خاشقجي مجرد صوت سلمي داع للإصلاح فحسب، بل كان يعيش في الولايات المتحدة تحت حمايتها الفعلية. إن اختطافه من تركيا، التي تعتبر حليفا في الناتو، يزيد من فداحة المؤامرة السعودية ضده. وكان "جون حنا" حذر الشهر الماضي، من أن الأخطاء التي قام بها محمد بن سلمان قد ألقت بظلالها على أجندة الإصلاح المثيرة للجدل.

يؤكد هذا الاعتداء الأخير على خاشقجي أن ابن سلمان قد أصبح أقرب إلى الطغاة منه إلى الدعاة للإصلاح.

سواء اعترف البيت الأبيض بذلك أم لا، فإن اختفاء خاشقجي في حد ذاته عمل وحشي ومأساة، وصفعة مهينة للولايات المتحدة.

يتمثل التحدي الذي تواجهه الولايات المتحدة في كيفية التعبير عن سخطها بالشكل الملائم واتخاذ التدابير الجذرية اللازمة ضد الرياض، دون إفساد العلاقة الأمريكية-السعودية بالكامل وإلحاق الضرر بالعديد من المصالح الإقليمية الأمريكية الأخرى. ولسوء الحظ، فقد قامت إدارة ترامب بالتخلي عن نفوذها ومبادئها من خلال الدعم غير المشروط للحرب السعودية في اليمن، ورفض التطرق لموضوعات انتهاك حقوق الإنسان في المملكة والتخلي عن حلفائها الكنديين ضد ردة فعل محمد بن سلمان الهستيرية على إثر تصريحات أوتاوا بعد اعتقال هذا الأخير لمدوّنات سعوديات.

وكان خاشقجي قد كتب في صحيفة "واشنطن بوست" في ذلك الوقت: "هناك طريقة أفضل يمكن أن تتفادى المملكة من خلالها التعرض للانتقادات الغربية، وذلك من خلال إطلاق سراح نشطاء حقوق الإنسان، ووقف الاعتقالات غير الضرورية التي نالت من سمعة السعودية". لقد أدى الصمت الأمريكي في ظل ما يحدث إلى الدفع بمحمد بن سلمان إلى الاعتقاد بأنه يستطيع قتل خاشقجي والإفلات من العقاب.

في الوقت الذي يفترض فيه الاعتقاد السائد بأن الولايات المتحدة لا تستطيع الدفاع عن مبادئ الكرامة الإنسانية والحفاظ على علاقات مستقرة مع حلفاء يعتمدون في نظام حكمهم على الاستبداد في الآن نفسه، يمكن اعتبار ما تقوم به سابقة. فقد حافظت إدارة ريغان، على سبيل المثال، على التحالفات الأمريكية وشراكاتها مع دول مثل كوريا الجنوبية والفلبين وتايوان وتشيلي، بينما شجعتهم على السير باتجاه التحولات الديموقراطية.

فلنأخذ السعودية مثالا، عندما عملت في وزارة الخارجية الأمريكية خلال إدارة جورج دبليو بوش، عام 2004، صنفت الولايات المتحدة السعودية ضمن "البلدان المثيرة للقلق بشكل خاص" بسبب التعصب والاضطهاد الدينيين المستفحلين. أعقب هذا التصريح نزاع داخلي مطول داخل الإدارة، حيث ردد مكتب شؤون الشرق الأدنى الاعتقاد السائد الذي يفيد بأن فرض عقوبات على أحد حلفاء الولايات المتحدة سيؤدي إلى نتائج عكسية ويضر بالمصالح الأمريكية الأخرى، في الوقت الذي لن يؤدي إلى أي تغيير على مستوى الحريات الدينية.

وبدلاً من ذلك، وبعد قرار بوش بوضع السعودية ضمن هذا التصنيف، اتخذ السعوديون بعض الخطوات البسيطة ولكنها كانت مهمة، كإعطاء المزيد في مجال حرية التعبد للمجتمعات غير المسلمة، وتقليص العبارات المعادية للساميّة والمسيحية في كتبهم المدرسية.

في الوقت الذي استمر فيه التعاون الأمريكي السعودي في مجالات كمكافحة الإرهاب والطاقة والأمن الإقليمي، كونها لم تكن مرتبطة بهذا التصنيف.

(التقيت بخاشقجي خلال إحدى رحلاتي إلى الرياض عام 2003 والذي كان حينئذ كما هو اليوم صحفيا ذا توجه إصلاحي).

قد يكون اختفاء خاشقجي المروع، سببا في إصلاح العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا. وقد عرفت علاقات واشنطن بأنقرة، تدهورا مطردا خلال السنوات الأخيرة الماضية، وبشكل خاص خلال الأشهر القليلة الماضية حول عدة قضايا، بدءا باحتجاز تركيا للقس الأمريكي برونسون، وصولا إلى علاقات تركيا المتنامية مع روسيا. قد يتطلب الأمر القيام ببعض الجهود الدبلوماسية من كلا الطرفين، من أجل ربط التعاون بشأن قضية خاشقجي.

بغض النظر عما قد تؤول الأمور إليه، يجب على الولايات المتحدة دراسة بعض الإجراءات الجذرية، التي من شأنها أن تفرض عقوبات حقيقية على الرياض. وتشمل هذه الخيارات التي يجب أخذها بعين الاعتبار: طرد السفير السعودي لبعض الوقت، وفرض حظر على تأشيرات المسؤولين السعوديين الذي تواطؤوا في استهداف خاشقجي، وتعليق أو خفض نسبة مبيعات الأسلحة الأمريكية وغيرها من أشكال التعاون الأمني مع السعودية. فخاشقجي، ليس رجلا عاديا، فقد كان يمثل آمال الكثيرين من خلال الدعوة إلى إجراء المزيد من الإصلاحات في السعودية، والاتسام بالمسؤولية بعيدا عن غطرسة ولي العهد السعودي المتهور.