الأربعاء 2017/09/13

تنامي النفوذ الروسي في كل أرجاء الشرق الأوسط

قبل أربع سنوات، حذر زميلان لي وهما توم نيكولز وجون شندلر من مغبة تضاؤل نفوذ الولايات المتحدة في الشرق الأوسط والذي من شأنه أن يهيئ الظروف لظهور روسيا كلاعب رئيسي في الأمن الإقليمي، وردا على الانتقادات حول مقالهم ، قاموا بصياغة ملحق يكشف الاستراتيجية الروسية التي تقدم موسكو "كشريك و بديل حيوي" لدول المنطقة.

حينها تم انتقاد كليهما بشدة ووصف تقييمها بالمتشائم إزاء "قوة إقليمية" منهارة بالأساس، والتي شكك المنتقدون في قدرتها على التقزيم من نفوذ قوة عالمية عظمى في الشرق الأوسط كالولايات المتحدة، أو حتى في إمكانية أن تكون موسكو ندا قادرا على التنافس مع واشنطن.

وعلى الرغم من هذا، فمنذ ذلك الحين قد أثبتت مجريات الأحداث صحة تقييمهم؛ فاليد الروسية ممتدة في كل مكان في الشرق الأوسط، كما تتزعم موسكو الآن كل الجهود الساعية لإخماد الحرب السورية، وإقامة مناطق لوقف النزاع بين مختلف الفصائل ورعاتها الخارجيين.

لقد أصبحت روسيا طرفا في القضية الكردية المتأججة، سواء فيما يتعلق بكل المناطق الكردية في سوريا والتي تقض مضجع تركيا، أو على مستوى الجهود المبذولة من أجل الوصول إلى حل نهائي بين كردستان العراق والحكومة في بغداد.

ولعبت روسيا دورا رئيسيا في حماية "الهلال الشيعي" الذي يمتد عبر إيران والعراق وسوريا، كما إنها تُجري مباحثات مباشرة مع السعودية ودول الخليج حول كيفية الحفاظ على توازن هش للقوى في المنطقة.

فلدى كل من مصر و"إسرائيل" الآن خطوط اتصال خاصة بهم مع الكرملين، وهم يرون أن فلاديمير بوتين رجل دولة يمكن الوثوق به إذ يلتزم بوعوده.

ويبدو أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يتفق مع هذا التقييم، حيث يبدو مستعدا لإقامة محور استراتيجي جديد مع روسيا حول الطاقة والأمن الأورو-آسيوي والرؤية المستقبلية للشرق الأوسط.

وقد استضافت موسكو اجتماعات الفصائل الليبية المختلفة والأحزاب السياسية الفلسطينية والممثلين الأكراد، وأعضاء من المعارضة السورية، كما يقوم زعماء الشرق الأوسط بزيارة موسكو للتشاور مع الكرملين بشكل منتظم.

فعلى ما يبدو أن روسيا "عادت إلى سابق عهدها"، لكنه من الخطأ إدراج هذه التطورات في خانة تجربة الحرب الباردة، في الوقت الذي يبدو أنه من البديهي أن روسيا المعاصرة لا تمتّ بصلة للاتحاد السوفييتي سابقا.

فلم يعد الكرملين مهتما بنشر إيديولوجيا معينة في الشرق الأوسط، كما إنه لا يسعى إلى فرض أي خيار ثنائي على دول المنطقة من شأنه أن يدفعهم "للاختيار" بين موسكو وواشنطن. ويرجع هذا إلى أن روسيا لا تريد تسديد فواتير ضخمة من أجل تمويل المساعدات الأمنية والاقتصادية. فعلى العكس، لا يسعى النهج الروسي الجديد إلى إزاحة الولايات المتحدة ،التي لا تزال تقوم بدفع جزء كبير من تكاليف الأمن الإقليمي، بل يقدم روسيا "كبديل" لأنظمة المنطقة، من أجل تحقيق التوازن مقابل أولويات أمريكا، متيحاً لهم بدائل للتملص من شروط أمريكا.

فيقدم الكرملين نفسه كوسيط أكثر موثوقية من واشنطن، كما يقدم معدات ومؤهلات تتردد واشنطن في تقديمها، وبالمقابل يصبح خصوم الحرب السابقين في المنطقة بالأخص تركيا و مصر والسعودية وكذا إسرائيل، أكثر انفتاحا لتطوير وإقامة علاقات جديدة مع الكرملين.

لقد تمكنت روسيا من استعادة وجودها في ظل سعي دول المنطقة إلى الاستقرار لا للتغيير، بعد عقدين من الجهود الأمريكية لإدخال تغييرات عليهم.

ومن الواضح أن واشنطن لم تعد تمتلك القدرة على متابعة وعودها، خصوصاً في ظل عدم وجود إدارة أمريكية الآن قادرة على تأمين الموارد البشرية والمالية للإيفاء بوعودها.

وقد بدا هذا جليا في بحث أمريكا المستميت من أجل إيجاد عملاء ديمقراطيين ذوي توجه علماني مستعدين للقتال بالنفس والتضحية، كما يفعل "الجهاديون"، لحماية الجهود الأميركية في المنطقة.

فالمجموعة الوحيدة التي توفرت فيها نفس المواصفات الحربية للـ"مجاهدين" هم الأكراد، والذين يتوسع آداؤهم خارج المناطق الكردية التقليدية، الشيء الذي يؤدي إلى ظهور تعقيدات جديدة في علاقات الولايات المتحدة مع حكومات أنقرة وبغداد.

فالهدف من الاستراتيجية الروسية هو الاعتراف بأنه لا يمكن التوصل إلى حلول بعيدة الأمد في الوقت الراهن، لترتكز جهود موسكو بدلا من ذلك على التلاعب بسلسلة من التنازلات والتي تتضمن:

-إقامة مناطق لوقف النزاع في سوريا.

-محاولة إدراج رقعة الحكم الذاتي الكردي كأمر فعلي في سوريا ضمن المنطقة الأمنية التركية.

-الحفاظ على التوازن بين المصالح السنية والشيعية في سوريا وأماكن أخرى في المنطقة.

-ضمان اتصال إيران بحليفها "حزب الله" في لبنان مع السماح لإسرائيل بحماية خطوطها الحمراء.

إذ تقدم روسيا رؤية لامتداد مجالات النفوذ وتوازن القوى، باعتبار موسكو شريكا أساسيا خارجيا في التفاوض، بدل واشنطن التي يسهُلُ تشتيت انتباهها، والتي تعتمد رؤية لا يمكن تطبيقُها على أرض الواقع.

يبدو أن بوتين يتمتع بالأضواء المسلطة عليه والتي تُظهره كرجل دولة عظمى يتساوى مع قادة الولايات المتحدة، على الرغم من ذلك سيكون من الخطأ الافتراض أن الجهود الروسية هي فقط لتحصيل الهيبة والنظر إليها كقوة عظمى، فموسكو تسعى لتحصيل فوائد ملموسة من سياساتها.

فعلاوة على إظهار روسيا كقوة عالمية، تسعى هذه الأخيرة إلى لعب دور أكثر نشاطا في شؤون الشرق الأوسط، ما يمكن أن يؤدي إلى طلب السلع والخدمات الروسية، بدءاً بالأسلحة ومحطات الطاقة النووية، وخاصة السلع التكنولوجية التي ترفض الولايات المتحدة بيعها لدول المنطقة.

تكتسي منطقة الشرق الأوسط أهمية بالغة بالنسبة لاستراتيجة روسيا الجيواقتصادية: فمن المقرر أن تصبح تركيا بديلا لأوكرانيا كدولة عبور لشحنات الطاقة إلى أوروبا، في حين أن الاستثمارات الروسية في العراق وليبيا تهدف إلى تعزيز قدرة روسيا على تزويد أوروبا بالنفط. في هذه الأثناء تسعى روسيا إلى إنشاء طريق جديد بين الشمال والجنوب والذي من شأنه أن يربط روسيا بالخليج العربي والمحيط الهندي.

والأهم من ذلك أن روسيا استخدمت نفوذها الجديد في المنطقة لإحباط الجهد الأمريكي الرامي لاستخدام السعودية كنقطة ضغط ضد الاقتصاد الروسي. فبدلا من التنافس مع موسكو في الوقت الحالي، تقوم الرياض بالتنسيق مع الروس في محاولة للوصول إلى"سعر" مستقر للطاقة، لضمان الإيرادات لخزائنهم المالية. وبالإضافة إلى ذلك، وفي ظل استمرار العقوبات الغربية وتزايد الشكوك حول إمكانية فسح المجال أمام المؤسسات المالية الأوروبية والأمريكية لتمويل روسيا أو تسهيل استثماراتها، تأمل موسكو في مواصلة تأمين الأموال من الشرق الأوسط إلى اقتصادها.

وقد استفادت روسيا دبلوماسيا من خلال أنشطتها في الشرق الأوسط على مدى السنوات الأربع الماضية، وهي الآن بصدد القيام بالخطوات الأولى لتطبيق تلك الدروس على شرق آسيا و اللعب على نفس الوتر بين شركاء ومنافسي أمريكا في المنطقة والاستناد على عدم أهليتها وعدم القدرة على التنبؤ بتحركاتها.

وقد باشرت روسيا في هذه الخطوات الأولى خلال الاجتماعات الصينية واليابانية والكورية مع فلاديمير بوتين بشأن أزمة كوريا الشمالية، إذ تأمل روسيا من خلال جهودها الدبلوماسية تحصيل بعض الفوائد الاقتصادية هناك ، كما هو الحال في الشرق الأوسط.

خلال الحرب الباردة حاول الاتحاد السوفيتي منافسة الولايات المتحدة، ووجد نفسه متخلفا عن الركب، أما اليوم فتنتهج روسيا استراتيجية أكثر دقّة، والتي تبدو مثمرة حتى الآن.

 

المصدر "ناشيونال انترست"