الثلاثاء 2017/12/19

القدس مقابل إيران (ترجمة)

المصدر: أوروآسياريفيو

بقلم: جايمس دورسي

ترجمة: مركز الجسر للدراسات


إن اعتراف الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بالقدس عاصمة لإسرائيل فتح المجال للتساؤل حول الدور المثير للجدل الذي تلعبه أمريكا لحل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي والذي تدعمه كل من السعودية والإمارات.

ترى كل من الولايات المتحدة والسعودية والإمارات أن الخطة الأمريكية طريقة للتعاون العلني مع إسرائيل لمواجهة إيران التي تتهمها هذه الدول بتهديد استقرار الشرق الأوسط. ومن خلال القيام بذلك، تسير كل من الولايات المتحدة والسعودية والإمارات على حقل مليء بالألغام. فحتى هذه اللحظة، أضعفت الاحتجاجات ضد قرار ترامب العلاقة القائمة بين الحرب ضد إيران والاستعداد الواضح لكل من السعودية والإمارات للتنازل عن الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية، التي تتضمن جعل القدس الشرقية العاصمة المستقبلية لدولة فلسطين، من أجل التوصل إلى السلام.

من الممكن أن يتغير هذا مع تبلور خطط السلام الأمريكية بشأن ملف السلام الفلسطيني- الإسرائيلي، وكذا في ظل ظهور تنافس سعودي-إيراني على السطح.

أفادت تقارير بأن جوهر مشروع الخطة الأمريكية هو اقتراح مثير للجدل يقضي بجعل قرية أبو ديس الفلسطينية، التي تطل على القدس، عاصمة مستقبلية لدولة فلسطين بدل القدس الشرقية.

إن الدعم السعودي والإماراتي للاقتراح الذي يقال إن ترامب صاغه بمساعدة من صهره، جاريد كوشنر، من شأنه أن يثير الغضب جراء التواطؤ العربي، ويزيد من استمرار الاحتجاجات ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، كما من شأنه أن يجعل من الحملة التي تشنها كل من الولايات المتحدة السعودية والإمارات على إيران أكثر تعقيدا.

إن فكرة جعل قرية أبو ديس عاصمة لدولة فلسطين عوض القدس الشرقية كانت مطروحة منذ أكثر من عقدين، لكنها فشلت في الحصول على تأييد خلال مفاوضات السلام الإسرائيلية-الفلسطينية بكامب ديفيد سنة 2000 بسبب رفض العرب والفلسطينيين لهذا المقترح، إلا أن تلهف السعودية والإمارات للعمل مع إسرائيل، بالإضافة إلى دعم ترامب غير المشروط للدولة اليهودية أعطى هذا المقترح نفَسا جديدا.

على الرغم من إدانة السعودية والإمارات رسميا لاعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، إلا أن الدولتين أبدتا استعدادهما لإبداء مزيد من المرونة وتقديم المزيد من الدعم لجهود كوشنر ولعب دور غير مهم، إن لم يكن غير فعال، في رفض العرب والمسلمين لخطوة الرئيس ترامب.

والمثير للسخرية، أن اختلاف ردود أفعال القادة العرب حول قرار ترامب بخصوص القدس قد أجل بصورة مؤقتة ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، من إضافة فلسطين إلى سلسلة من خطوات الفاشلة في سياسته الخارجية والتي تهدف إلى تصعيد حرب المملكة بالوكالة ضد إيران. فقد أدى كل من التدخل العسكري المدمر الذي قام به ولي العهد السعودي في اليمن وكذا الجهود الفاشلة لإجبار رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري على الاستقالة، بالإضافة إلى الحصار الخانق المفروض على قطر، كلها عوامل أدت إلى نتائج عكسية وعززت من النفوذ الإقليمي لإيران.

وقد قدم كل من الرئيس الفلسطيني محمود عباس والملك الأردني عبد الله خدمة لولي العهد السعودي عندما أعلنا رفضهما للضغط الذي مورس عليهما لعدم المشاركة في القمة الدول الإسلامية التي جرت هذا الأسبوع في إسطنبول.

مثّل السعودية في هذه القمة مسؤولون غير بارزين. ولعل عباس قد حمى القائد السعودي عندما رفض قبول اعتماد الولايات المتحدة كوسيطة في هذه القمة.

إن دعم الزعيمين للموقف الرافض الذي تبنته القمة الإسلامية لخطوة ترامب يجعل الأمور أكثر تعقيدا بالنسبة للسعودية والإمارات من أجل تقديم تأييدهما لأي قرار لا يعترف بالقدس الشرقية عاصمة لفلسطين بخصوص الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.

من المحتمل أن يستهين كل من الأمير محمد ونظيره الإماراتي، الأمير محمد بن زايد، بالغضب الشعبي والإحباط العام في أجزاء مهمة من العالم العربي والإسلامي،

ومن المحتمل أن يصبح من الصعب إنكار العلاقة بين صنع سلام فلسطيني-إسرائيلي والملف الإيراني، خاصة عندما سيتحتم على ترامب أن يقرر الشهر المقبل ما إذا كان سيتمسك بالاتفاق الدولي لعام 2015 مع إيران الذي يفرض قيودا شديدة على برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات عنها.

وقفا للقانون الأمريكي، على ترامب أن يؤكد امتثال إيران لتلك القيود كل ثلاثة أشهر، حيث رفض القيام بذلك في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي. كما إنه هدد بإلغاء الاتفاق إذا ما فشل الكونغرس في معالجة أوجه القصور المترتبة على هذا الاتفاق خلال 60 يوما. امتنع الكونغرس حتى الآن من العمل وفق مطالب ترامب. فترامب يريد أن يضمن الكونغرس قبول إيران القيود المفروضة على برنامج الصواريخ الباليستية وكذا دعمها لوكلائها الإقليميين.

لا يستطيع أحد أن يتكهن ما يمكن لترامب أن يقوم به. إذ إن استعراض السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، نيكي هيلي، لأجزاء من صاروخ إيراني كدليل على دعم طهران للحوثيين في اليمن وزعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط يوحي للوهلة الأولى بأن ترامب يستعد لعدم المصادقة على التزام إيران بالاتفاق النووي، و يرجح إمكانية إلغائه.

من المرجح أيضا أن تكون هذه محاولة لإظهار موقف أميركي أكثر صرامة اتجاه إيران بينما تسعى عناصر أقل صرامة في إدارة ترامب إلى الالتزام بالاتفاق.

في كلتا الحالتين، يسير كل من ترامب وحلفائه في الخليج على حبل مشدود من خلال زيادة الشكوك بأنهم على استعداد للتنازل عن الحد الأدنى للمطالب الفلسطينية بهدف صناعة السلام وتلبية مطالب إسرائيل، حليفهم الأول في حربهم ضد إيران.

وعبر القيام بذلك، قد لا يقتصر الفهم الخاطئ لكل من ترامب ووليي عهد السعودية والإمارات على المزاج العام بل أيضا على النفوذ والنوايا الإيرانية، ولا سيما فيما يتعلق بقدرة طهران على السيطرة على الحوثيين؛ فقد فشلت الأدلة التي قدمتها هيلي، والتي بعثتها كل من السعودية والإمارات، في إقناع الكثيرين في المجتمع الدولي.

استعراض هيلي لأجزاء من الصاروخ الباليستي يرجح أن إيران هي من دفعت بالحوثيين إلى إطلاقه نحو الرياض في 4 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي. لكن يبقى من غير المعروف إذا ما قامت إيران أو كوريا الشمالية بتزويد الحوثيين بهذا الصاروخ. هناك العديد من الأسئلة الرئيسية التي تحتاج إجابات من أجل تحديد المسؤولية الإيرانية المحتملة في هذا الشأن.

يمكن للحوثيين، الذين يُعتبرون لاعبين مستقلين ويتميزون بالشراسة، والذين أثبتوا مرارا وتكرارا أنهم لا يتلقون الأوامر من طهران ويتجاهلون أحيانا مشوراتها، أن يثيروا جلَبة في الأوضاع الهشّة التي يشهدها الشرق الأوسط إذا ما نفذوا تهديداتهم ليس من خلال استهداف المدن السعودية وحسب بل والإماراتية كذلك. ولا شك أن شن هجوم صاروخي من شأنه أن يؤدي إلى رد فعل عنيف، إذ من الممكن أن يؤدي إلى ضربة مشتركة بين كل من الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ضد إيران وليس ضد الحوثيين في اليمن.

فقد أشعل قرار ترامب بخصوص القدس موجة غضب من الممكن أن توجَّه نحو القادة العرب الذين قد يُنظر إليهم على أنهم يتعاونون مع الولايات المتحدة وعلى استعداد للتضحية بالحقوق الفلسطينية للعمل مع إسرائيل.

بشكل مقتضب، يمكن لهذا أن يثير مشاكل جمة حيث يتم توجيه الغضب العام نحو العديد من الأطراف بدءا بالولايات المتحدة ومرورا بإسرائيل ووصولا إلى القادة العرب وإيران والحوثيين؛ الشيء الذي من شأنه أن يؤدي إلى عاصفة هوجاء.