السبت 2017/12/30

لماذا فشلت المعارضة السورية في صياغة العقد الاجتماعي؟

 

في وقت مبكر من عمر الثورة السورية عملت المعارضة على محاولة صياغة عقد اجتماعي عصري، يكون بديلاً للحالة البالية التي وصلت إليها البلاد بسبب استمرار حكم آل الأسد لعقود متوالية، دُمّرت فيه الكثير من البنى والقيم الاجتماعية والثقافية والدينية والحضارية والاقتصادية.

إلى الآن لم تتفق المعارضة على صياغة هذا العقد الاجتماعي الجديد، بل قد تكون المفارقة أن التجارب الأولى كانت أسهل من حيث القدرة على إنتاج ورقة، وإن لم تحصل على مشروعية كافية لها، كان عليها بعض التحفظات والاختلافات والاعتراضات، لكن التجارب المتأخرة أظهرت المعارضة أشدّ اختلافاً، لا بل أدت إلى حصول انقسام سياسي وصل إلى طاولة المفاوضات في جولات جنيف الثمانية الماضية، عجزت فيها المعارضة على الاتفاق على ورقة مبادئ، حتى إن ورقة المبادئ الاثنتي عشرة التي قدمتها هيئة التفاوض لم تخل من توقيع مكونين من مكوناتها الستة على تحفظات عليها.

العقد الاجتماعي الذي تحاول المعارضة كتابته، يُنظر إليه كمبادئ دستورية، أو فوق دستورية، أو كديباجة للدستور، ومن هذا الباب تسعى "الأقليات" لاستيعاب كافة مطالبها وحقوقها فيه، ففي الأقليات من يقول: إن الأقليات إذا لم تحصل في هذه الأزمة على حقوقها كاملة، وتنال التعويض على الضرر الذي وقع عليها فيما سبق، فلن تحصل عليها في الحالة الجديدة للبلاد، وستضيع الفرصة عليها.

كان هذا هو الغطاء الأنسب للعديد من أطراف المعارضة، أن تغطي صراعها البيني على السلطة في مرحلة ما بعد النظام الحالي، بمطالبات وحقوق دستورية قومية ودينية وطائفية وحتى إيديولوجية، لعب الدور الرئيسي فيها صنفان من المعارضة: الأكراد والعلمانيون، فالأكراد حقيقة يريدون جزءاً من الأرض، ليقيموا الدولة الكردية لكن باسم الفدرالية مؤقتاً، وهم بالحجة التي عطلوا فيها جميع محاولات صياغة العقد الاجتماعي باعتراضهم على عروبة الدولة السورية، مع حفظ حقوق الأقليات، فإنهم يناقضون أنفسهم بتسمية إقليمهم بكردستان مع زعمهم بأنهم سيمنحون الأقليات الأخرى حقوقهم، والعلمانيون الذين أفشلوا أيضاً جميع محاولات صياغة العقد الاجتماعي باعتراضهم على الإشارة للإسلام كمصدر من مصادر التشريع، فإنهم أيضاً يناقضون أنفسهم حين يذهبون لحرمان المسلمين من قانون الأحوال الشخصية، مع أن ذلك يصادم مبادئهم "العلمانية" التي تعتبر هذه القضية من الحريات الشخصية التي يزعمون أنهم سيكفلونها حال وصولهم للسلطة.

العقد الاجتماعي يشبه القانون الدولي الذي تتواضع الدول على القبول به والاحتكام إليه رغم نقطة ضعفه الرئيسية في أنه يتجاوز مبدأ "السيادة الوطنية" للدول، لذا نجد القانون الدولي يراعي هذه المسألة وينظّم العلاقات البينية بين الدول، دون التدخل في قوانينها الوطنية الداخلية، وهكذا العقد الاجتماعي كان يجب أن يتوجه لتنظيم العلاقات البينية بين المكونات السورية دون التدخل في خصوصيات كل مكوّن حرماناً منها، أو تحكّماً في بعض نواحيها، هذا الجزء من العقد هو الذي تركّزت المحاولات عليه مع الخلل في معالجته، لكن تمّ إغفال قضية أخرى ثانية مهمة في العقد هي تنظيم العلاقة بين هذه المكونات جميعها باعتبارها هي الشعب السوري من جانب، وبين السلطة التي تحكمها من جانب آخر، فالذي فجّر الوضع في سوريا ليس أزمة وقعت بين المكونات، لكنها أزمة مع السلطة والعنف السياسي الذي مارسته على الشعب لعقود خلت.

من هنا كان يجب على المعارضة سبر العقد الحالي القائم بين السلطة والشعب، وإعادة كتابته من جديد، مع إصلاح وتطوير العقد البيني بين المكونات بما يتناسب وطبيعة الدول العصرية الحديثة، وبحدود الإطار الذي تمّت الإشارة إليه في الفقرة السابقة.

على هذا فإن توصيف العقد الحالي سيكون هو المدخل الصحيح لوضع ما يقابله في العقد الجديد، وللخروج من المتاهة التي تدور فيها المعارضة.

العقد الحالي الذي أسسه النظام وسار عليه لعشرات السنين الماضية، وأوصل البلاد إلى حالة الانفجار، والذي يجب التخلص منه إلى غير رجعة، يتكون من بنود ثلاثة:

1- استحقاق الحكم مقابل توفير الخدمات والأمن، هذا الأمر يصلح في مزرعة يقدّم فيها مالك المزرعة العلف والماء والرعاية الصحية للحيوانات، وكما يحتاج مالك المزرعة لكلاب الحراسة لحماية نفسه، وللسيطرة على حيواناته إذا تمرّد أحد منها، فكانت الأجهزة الأمنية والعسكرية للنظام تؤدي هذا الدور، وأن الحاكم يستحق البقاء في الحكم ما دام مستمراً في توفير هذين الأمرين، بل ومع انعدام الكثير من الخدمات والأمن، كما يحدث الآن فالحاكم يرى تفضّله على الشعب، واستحقاقه للحكم، ووجوب تقديم الشكر له، ولو وصل الأمر إلى إبادة الشعب بالكامل، وبقاء كلاب الحراسة فقط، وهذا معنى شعار "الأسد أو نحرق البلد". ليس على قاموس النظام شيء اسمه "التداول السلمي للسلطة".

2- منح الوظائف الحكومية مقابل الولاء والإذعان السياسي، لذا كان الانتساب لحزب البعث، أو المرور عبر الدراسة الأمنية في أن طالب الوظيفة ليس معارضاً للنظام، ولا منتسباً لمجموعة غير مرضيٍ عنها، شرطاً للحصول على الوظيفة، لا بل يجب إعلان الولاء للنظام في كل شاردة وواردة ومناسبة من مناسبات النظام، وبهذا سيطر النظام حتى على مؤسسات الدولة العامة، وكان الترقي في المناصب الحكومية يكاد يكون حكراً على البعثيين، وكان هذا الأمر أشد ظهوراً في الانتساب للجيش والمخابرات إذا اعتبرناها من الوظائف الحكومية.

3- قياس الاستقرار السياسي من منظور أمني، فالحضور الأمني الطاغي في كل مفاصل الحياة اليومية للمواطنين على اختلاف جذورهم وانتماءاتهم، والخوف من أي انتقاد للسلطة، أو حتى سوء خدمة تقدمها الدولة في مشفى أو مدرسة أو مخبز، أو وسيلة اتصال أو نقل، أمّن حالة استسلام شبه تام، فالعقوبات القاسية التي تطال الأصوات المعارضة وإن كانت خافتة، كانت كافية لردع غيرها عن إظهار تذمّر أو شكوى من أحوال اقتصادية أو سياسات خارجية أو داخلية.

حفظ حقوق المكونات، ومعايير الحكم الرشيد، والمواطنة المتساوية، ومبدأ تكافؤ الفرص، وتحقيق الاستقرار من منظور اجتماعي واقتصادي، والتداول السلمي للسلطة، هي العناوين الكبرى التي يجب أن يعالجها العقد الاجتماعي السوري، ومنها تنبثق مواد الدستور الذي سينقل البلاد في ظل الحكم الجديد إلى دولة عدالة وحرية وكرامة.