هل نجحت معارض الكتاب في إسطنبول في صنع قارئ حقيقي؟!

على الرغم من تعددها وتنوعها لم تفلح معارض الكتاب العربي في إسطنبول بصنع قارئ حقيقي، يكون عوناً على مكافحة آفة الأمية المنتشرة في صفوف الأطفال والمراهقين السوريين، الذين باتوا في الآونة الأخيرة يعتمدون اعتمادا شديدا على تلقي المعلومات والأخبار من حواسبهم أو هواتفهم المحمولة.

دور النشر العربية في إسطنبول شكت هي الأخرى من ضعف إقبال الناس على الكتاب العربي عازية السبب إلى قلة الاهتمام والانشغال بأمور الحياة اليومية، فيما أكدت أن أغلب مبيعاتها تقتصر على الروايات والقصص القصيرة التي لا ترفع من السوية المعرفية لدى القارئ.

عبدالرحمن صاحب إحدى دور النشر في منطقة (لالالي) وهو شارع الجامعات في منطقة الفاتح، حدثنا أن أغلب مبيعاته من الكتب تقتصر على الطلاب الأتراك والأجانب الذين يدرسون العربية وعلومها، فيما يندر أن يزوره العرب، لذا فإن اهتمامه منصب على ما تطلبه الجامعة من كتب لا ما يطلبه القارئ، مشيراً في الوقت نفسه إلى المصاعب الجمة التي تعترض هذه المهنة سواء في صعوبة جلب الكتب أو في غلاء ثمنها بالنسبة للقارئ، إضافة إلى أنها لم تعد تنافس الكتاب الالكتروني من حيث سهولة الاقتناء ورخص الثمن.

بنظرة بسيطة إلى الوضع الثقافي السوري في تركيا وبلدان أخرى، نجد أنه في انخفاض، فالناس منشغلون بأعمالهم، وحتى الذين لا يعملون نجد أن الإحباط واليأس هو المسيطر خاصة بين لاجئي المخيمات والدول الأوروبية، الذين ابتعدوا عن الثقافة والمطالعة، مكتفين بما تنقله إليهم هواتفهم الجوالة من قصص مسلية لا تتجاوز في أطولها عشرات الكلمات أو منغمسين بمشاجرات فيسبوكية عديمة الجدوى أو مشاهدين لمقاطع فيديو كأنهم في برنامج مضحك عشية يوم راحتهم كما في الأيام الخوالي.

وإذا ما أردنا استقصاء أسباب قلة المطالعة وعزوف الشباب عنها وانتشار هذه الظاهرة السلبية في صفوف المجتمع السوري لخلصنا الى عدة أسباب أهمها:

*- حركة النزوح واللجوء الكبيرة التي خلفتها الحرب، ما جعل الكثير من الناس يغادرون بيوتهم مخلّفين وراءهم إرثاً كبيراً من الكتب العلمية والثقافية، ينتظر مصيره تحت ضربات المدافع وغارات الطيران، وما سلم منها أكله البلى ودابة الأرض.

*- الوضع النفسي السيئ: حيث لم يعد الناس قادرين على مواصلة حياتهم كما السابق، ومن تسأله منهم عن آخر ما قرأه أجابك: بأنه منذ رحل لم يفتح كتابا إلا بالصدفة ، بينما أكدت العديد من منظمات الصحة والإغاثة الدولية أن 99% من السوريين سواء بالداخل أم بالخارج يعانون أمراضاً نفسية شديدة، خلفتها الحرب ومشاهد الدمار ، وأشارت دراسة إلى أن 46% من السوريين لم تعد مناظر الدماء والأشلاء تؤثر فيهم وكأنها منظر معتاد.

*- ضعف الانتماء الوطني: فمن النادر أن ترى أحداً من الناس يتنكر لبلده وللغته، لا بل ويفخر بلغة الآخرين ويعتز بها، مثل ما نرى في صفوف المغتربين السوريين في تركيا وأوروبا وأمريكا، حيث نجدهم يسارعون إلى تعلم اللغات الأجنبية وإهمال العربية وكتابها وشعرائها، والأنكى من ذلك أن البعض يتهالك ويستميت في طلب الجنسية الأجنبية، ومردّ ذلك طبعاً إلى ضعف الروح الوطنية، الذي سببُهُ كره فلان ما في الوطن.

*- اختلاف اللغة : أغلب المغتربين يشاهدون بوناً واسعاً بين لغتهم واللغات الأخرى، ما يجعلهم يركزون قراءتهم ومطالعتهم على لغة البلد الذي يعيشون فيه فقط، ظانين بذلك أنهم سيمتلكون لغة أخرى إلى جانب لغتهم الأم، وهذا غير صحيح ، فالأصل تعلم العربية أولاً، ثم الانتقال إلى غيرها من اللغات، وتعلم العربية لا يكون بمعرفة بضع كلمات او قراءة بعض القصص، بل يكون بمعرفة علومها وفنونها وآدابها وكتابها وشعرائها.

*- الانشغال الدائم بوسائل التواصل الاجتماعي: والأحرى بنا أن نسميها وسائل قطع التواصل الاجتماعي، حيث يقضي أغلب الناس سواء بالطرقات أو العمل أو حتى بالزيارات الاجتماعية، يقضونها بالجلوس على هواتفهم والانهماك الفردي بمحادثات لا تفيد بطائل أو تصفح الفيس أو التويتر، وكأنهما أصبحا مصدراً للمعلومات وليس الكتاب حتى لو أنك جادلت فلاناً بموضوع ما، لرد عليك بأنه قرأ على موقع كذا.. أن هذا الأمر صحيح أو غير صحيح وعليكم القياس..

*- العمل الطويل المرهق الذي يعاني منه بعض اللاجئين، فحين تسأل الشباب العامل سيتذرع بأنه ليس لديه الوقت الكافي للقراءة، ولكم تمنيت من أربابِ العمل أن يخففوا عن هؤلاء ولو ساعة، شرط استغلالها بالقراءة في حين ان بعض الدول الأوروبية تسمح بركوب حافلة النقل العامة مجاناً شرط قراءة كتاب.

*- غياب الوعي الثقافي والديني بأهمية الكتاب والمطالعة:

وفي رأيي أن هذا الأمر يعد في صدارة الأسباب المانعة من إدامة القراءة، ولو عقل السوريون لعرفوا أن بقاء وجودهم هو حفاظهم على لغتهم، وبقاء أخلاقهم هو حفاظهم على دينهم واعتزازهم به، فلا ينسى أحد أنّ أول آية نزلت هي " اقرأ" وآخر آية هي " اتقوا" ، فبالعلم والدين تحيا الأمم وبالقراءة والمطالعة تنهض الشعوب، وتحافظ على كيانها، ولا تكون كالدخيلة في لغة وعادات أقوام آخرين، وما نزل القرآن عربياً إلا لجعلنا نتمسك بها وتدور كلماتها على ألسنتنا صباح مساء.

ورحم الله القائل:

أرَى لرجالِ الغَربِ عزاً ومنعةً          وكم عزَّ أقوامٌ بعزِّ لُغاتِ

شارك الموضوع

الكلمات الدليلية
المزيد في نفس القسم « غداء علماني