غداء علماني

من الأشياء التي تميزت بها الحضارة الإسلامية المعارك الكلامية؛ وربما يستدعي المرء في هذا المقام المعتزلة، الذين برعوا في هذا الفن، وأبرز سمة جلية في هذا الشأن: التماسك المنطقي فيما يطرحون ، فتجدهم دائما يقدمون مقدمات منطقية لقناعاتهم ،ويقتلون القضية بحثا من كل جوانبها حتى يثبتوا صواب فكرتهم ،وعلى الرغم من اختلافك مع الفكرة تشعر أنها متماسكة منطقيا .

وفي حوارات المعتزلة دائما تصل إلى نتائج تتفق معها أو لا تتفق ، ولكنها لا تدخل في باب الجدل البيزنطي الذي لا يفضي إلى نتيجة، ودائما كنت أعشق الحوار مع الآخرين والأخريات .. وتجذبني دائما المرأة المثقفة ذات المنطق المتماسك .

المهم:

كنت في الصيف الماضي في زيارة إلى لبنان؛ كي أستطلع أمور أهلي بعد فرقة دهر ،وانصرام الوصل ، ولي خلان كانوا يركلون القيظ بأقدمهم في مخيمات اللجوء ؛ فكنت أقصدهم دائما .

في يوم ذي ملامح بعثية من حيث الشظف وانعدام أسباب الحياة كنت قاصدا أحد المخيمات ، وكان الغبار يلفني من كل جانب ، وكان علي أن أسير مسافة كبيرة تتجاوز الثلاثة كيلو مترات حتى أصل إلى تلك الخيمة ، وعندما وصلت كان الصحاب قد فروا من جحيم القيظ باحثين عن نسمة عليلة في مكان ما .

عدت أدراجي ولطول المسافة أضناني المسير ،وبدأت جيوش الجوع تطوقني ؛ وكنت أحث الخطا ،وألتفت ذات اليمين وذات الشمال باحثا عن مطعم ، ولكن سدى ، هذا المكان موحش انقطعت فيه أسباب الحياة .

وأنا في هذا التطواف الفوضوي وجدتني أمام بيت قوم عرفتهم منذ زمن ،وكانوا سوريين من بني جلدتي أقاموا في هذا المكان منذ أزمان دفنت في جوف الفجيعة . وكانوا قد تجمهروا أمام منزلهم في حديقة صغيرة وبسطوا مائدة ، وكانت الأطباق ترحل من المطبخ إلى الطاولة بإيقاع مجلجل . رحب بي القوم ودعوني إلى الوليمة ، وكانت على الطاولة ثلاث فتيات يرحلن في بحر الثلاثين من أعمارهن .

فقلت يا بشرى طعام على أنغام أنثوية أي حظ هذا !؛ تالله إنه يوم النعيم لعلي أدركت النعمان بن المنذر .

كان بين الفتيات الثلاث أستاذة في الجامعة الأمريكية كما زعمت ومنذ أن أنخت راحلة جسدي على الطاولة كان موضوع النقاش الحجاب وسخافته ، ، ولأنني أكره الاستعراض الثقافي ، وأكره الجدل، الذي لا يقوم على مقدمات منطقية، فقررت أن أحاور الأطباق .

كنت في تلك اللحظة مشغولا بحجب معدتي عن إصدار أي صوت بوحي بخوائها ؛فلم ألتفت لحديث هؤلاء النسوة ، وعندما بدأت الدماء تجري في عروقي بعد امتلاء البطن كنت قد استمعت مطولا للهرطقة والصراخ العالي دون مقدمات منطقية كما تعلمته عند المعتزلة ، كانت الأستاذة الجامعية تقول : أنا إنسانية علمانية والحجاب يخنق .. يخنق الرقبة كيف تتحمل النساء وضعه على الرأس والرقبة ؟.كيف يمكن للدم أن يسير في العروق ويصل إلى الدماغ؟؟؟ إنه يؤدي إلى نقص في التروية ، وكلما ذكرت جملة قالت قبلها : أنا كإنسانة علمانية . وظلت تكررها حتى شعرت أنني في الجمعية الوطنية الفرنسية.

بحسب المعتزلة هذه مقدمة منطقية يجب علي احترامها؛ لأنها تناقش القضية بمنهج ، هذه القطعة القماشية تحبس الدم عن الوصول إلى الرأس عندما تلفها المرأة على الرقبة .

بعد أن ابتعد شبح الجوع عني ،بدأت أدقق في تفاصيل الحضور ، وجذبني حديث هذه الأستاذة وهي تتحدث عن نظرية الخنق ، وهي تضع يدها على رقبتها، وتمثل حركات الخنق ؛ التي يمكن أن يفعلها الحجاب ، وبما أن الحديث كان منصبا على الجسد ؛ فقد بدأت أتفحص جسد هذه المرأة وأنا أفكر بنظرية الخنق ،وعندما صوبت نظري على كامل جسدها اكتشفت أنها تلبس بنطالا ( فيزون ) نصف قطره حوالي 2سم ، ويكاد يأكل جسدها .. فقلت لها عفوا أستاذة : بالنسبة لنقص التروية أليس مهما في أسفل الجسد ، أم أن هذا المكان ليس مشمولا بنظرية الخنق..؟؟؟

هل أخطأت مع هذه الأنثى العلمانية الجميلة ذات المنطق الفوقي في نظرية الخنق .... ربما لا أدري

كان علي أن أغادر سريعا بعد هذه الرأي ...خفت من نظرية الخنق أن تفتك بي، وخصوصا أنني كنت ممتلئا بالمحشي وسلطة الجرجير والقرنيط .

شارك الموضوع