الأحد 2017/06/18

من وحي الهزيمة

دائما ما نسمع كلاما يتردد على ألسنة المقموعين البائسين الحالمين في هذا السجن الكبير الذي يسمى زورا وبهتانا "وطنا عربيا" أننا بحاجة لرجل تجتمع عليه الأمة فيخلصها من عذاباتها ويحررها من قيودها ويحرر ما اغتصب من أرضها، وعلى رأسها تلك البقعة الطاهرة التي تقع في قلب كل عربي ومسلم وتسمى فلسطين.


فلسطين ... ومن منا لا يعرف فلسطين فهي العنوان العريض لكل ما مورس من قمع عربي باسم المقاومة وجيوش الإنقاذ والتحرير وهي الضعيفة المسكينة التي "اجتمع كل زناة الأرض عليها" كما قال مظفر النواب وهي التي ما لبثت أن تعافت من احتلال البيزنطيين إلى أن احتلها الصليبيون حتى جاء صلاح الدين وخلصها من أيديهم إلى أن فرط أحفاده بها إلى الإسرائيليين في نهاية المطاف.


والكل ينادي باسم صلاح الدين ويريد قائدا مثله يجمع الجيوش ويوحد المسلمين تحت رايته ويزحف بهم إلى ساحات الجهاد ويرمي بإسرائيل في البحر الأبيض المتوسط ​​فلا تقوم لهم قائمة بعد هذا اليوم، لكن المشكلة لا تكمن في غياب شخصية مثل هذا الرجل، ولا غياب قائد مثل هذا القائد ، فقارئ التاريخ يجد أن صلاح الدين ليس طفرة تاريخية أنجبته المنطقة صدفة، فهو الابن الشرعي لأجيال من القادة العظماء منهم نجم الدين إيلي غازي وآق سنقر وعماد الدين الزنكي و نور الدين الزنكي ومجموعة من المفكرين والخطباء والمصلحين الذين هيئوا العامة لتقبل أفكار صلاح الدين والذين غرسوا في النفو س الأنفة وحب الجهاد والرغبة في استعادة ما استلبه الأعداء، وجيش لا يقل فيه أي مقاتل عن صلاح الدين تقى وورعا وإقداما، فهذا يفسر توحيد صلاح الدين لجبهة إسلامية عريضة امتدت من الموصل إلى حلب ودمشق وصولا إلى القاهرة ونحن الآن غير قادرين على جمع بلدتين على رأي واحد ونرى المناطقية تنهش فينا نهشا.


صلاح الدين هو الذي قوض دعائم الدولة الفاطمية العبيدية في القاهرة وأقام مكانها دولة سنية قوية ونحن غير قادرين على دفع خطر الميليشيات الطائفية الشيعية عن مدننا وأعراضنا وهو الذي دحر الصليبين من مناطق واسعة من بلاد الشام واعترف ببراعته خصومه قبل أصدقائه، والعرب والمسلمون مجتمعين اليوم غير قادرين على إقناع الاحتلال الإسرائيلي بوقف الاستيطان أو العودة لحدود ال 67.


فالمشكلة هي مشكلة جيل ومشكلة وعي جمعي لم نعد نمتلكه فالنصر ليس طفرة تحصل في غفلة عن أعين التاريخ إنما هو إعداد وثقافة وفكر ووعي يجوب عقول الصغار قبل الكبار والضعفاء قبل الأقوياء فكيف نتخيل نصرا وفي مصر راقصة هي أم مثالية وقدوة لجيل، وفي سوريا دجال وكذاب يتبوأ أعلى مكانة دينية في البلاد، وكيف ننشد نصرا وفي الخليج سباق الهجن أهم من سباق الموت في دول الجوار، وأي حراك تحرري هو هدف مشروع لأنظمة الحكم العربية .. وكيف ننشد نصرا ونحن نغرس الهزيمة في فكر أبنائنا وأجيالنا ونشوه تاريخهم وقدواتهم؟، كيف ننشد نصرا وجيل بأكمله يتصفح الفيسبوك وأمة بأكملها تابع (آراب كوت تايلند)؟


الانهزام الفكري والنفسي الذي عاشه أبناء جيلنا لا يمكن أن يتحول إلى نصر حتى لو كان صلاح الدين بيننا ولا أعتقد أن هذه الأمة خلت ولو لفترة صغيرة من رجل مثل صلاح الدين، لكننا نحتاج لما هو أعمق من وجود شخص تاريخي يمتلك الكاريزما القيادية إن مات ذهب معه كل شيء، نحن بحاجة لأجيال من المنتصرين فكريا ونفسيا المعتزين بتاريخهم الواعين لما يحاك لأمتهم.