الأربعاء 2017/06/14

لهذه الأسباب .. الريال القطري في أمان رغم الأزمة.. ويستطيع الصمود لسنوات

بين قرارات بعض البنوك في عددٍ من الدول بوقف التعامل بالريال القطري تارةً، ونفي البنوك المركزية إصدار تعليمات مشابهة تارة أخرى، وحظر التعامل مع أشخاص وكيانات على صلةٍ بقطر تارةً ثالثة، لا يبدو أنّ العملة القطرية تفقد كثيرًا من قيمتها وسط هذه الضغوط، وذلك في الوقت الذي يؤكد فيه الأغلبية أن الدوحة قادرة على حماية عملتها لمدةٍ طويلة.


ولكن ربما شعرت من خلال متابعاتك للأخبار الخاصة بهبوط الريال القطري أنه قد سجَّل انهيارًا حادًا، إذ إنّ العنوان العريض الذي تداوله الجميع هو أن الريال القطري تراجع إلى أدنى مستوى في 111 عامًا مقابل الدولار بالسوق الفورية، بأواخر معاملات، الأربعاء الماضي، وذلك بسبب القلق من تأثُّر اقتصاد قطر في المدى الطويل بأزمةٍ دبلوماسية مع دول عربية أخرى.


إلا أنه – وبالنظر إلى قيمة عملة البلاد نجدها – على الرغم من الهبوط تبدو بحالةٍ جيدة، إذ بلغ سعر شراء الدولار الأمريكي 3.6517 ريال، وهو أعلى مستوى له منذ يوليو (تموز) 2005، ولكنَّه يعدُّ تغييرًا طفيفًا في سعر العملة القطرية، إذ يربط مصرف قطر المركزي سعر الريال عند 3.64 للدولار، ولا يسمح إلا بتذبذباتٍ محدودة حول ذلك المستوى.


وأنهى سعر صرف الريال مقابل الدولار الأسبوع الماضي متراجعًا، ولكن تظلّ نسبة التراجع تحت سيطرة البنك المركزي القطري، إذ هبط بنسبة 0.22%، وهي نسبة أقل من هامش التذبذب الذي يحدِّده «مصرف قطر المركزي» لسعر الصرف بـ 0.24%، وذلك في الوقت الذي كشف فيه مصدر لصحيفة «لوسيل» الاقتصادية القطرية، أنّ مصرف قطر المركزي سيقوم خلال الأسبوع الجاري بضخِّ المزيد من العملات الأجنبية في شركات ومحلات الصرافة العاملة في الدولة لمواجهة الطلب عليها من قبل العملاء، وذلك بعد أن عزَّزَ المراكز المالية من العملات الأجنبية لشركات ومحلات الصرافة نهاية الأسبوع الماضي من خلال تحويل تلك العملات عبر البنوك العاملة في الدولة.


وأشار المصدر إلى أنّ مصرف قطر المركزي عقد اجتماعًا مع عددٍ من شركات ومحلات الصرافة نهاية الأسبوع الماضي، إذ تمّ التأكيد على توفُّر احتياطياتٍ مهمة من العملات الأجنبية وأنّ اللجان المختصة في «المركزي» تتابع بشكلٍ دائم الأوضاع المالية والنقدية في الدولة وفقًا للإستراتيجية وبما يحافظ على استقرار السوق من حيث العرض والطلب على العملات الأجنبية، وبحسب متعاملين بالسوق القطري أكدوا لـ«ساسة بوست» أنّ عمليات الصرف وتحويل العملة من خلال شركات ومحلات الصرافة العاملة في قطر تمَّت بشكل عادي خلال نهاية الأسبوع.


الاقتصاد القطري أمام الاختبار الأصعب.. هل يصمد أمام المقاطعة؟


يشار إلى أن عدد شركات الصرافة في قطر تبلغ نحو 20 شركة تجاوزت قيمة موجوداتها 1.3 مليار ريال، في حين شهدت التحويلات المالية المُنجزة عبر شركات ومحال الصرافة نموًّا خلال الربع الأول من العام الجاري بنسبة 12%، إذ بلغت 13.6 مليار ريال بعدد حوالات تجاوز سقف 4.7 مليون حوالة.


قطر تستطيع الدفاع عن عملتها لسنوات


كان هذا عنوان تقرير نشرته وكالة «رويترز» مؤخرًا، إذ ذكرت الوكالة في أن موازنة قطر تشير إلى أنّ الدوحة بإمكانها الدفاع عن عملتها لسنوات، مستبعدةً أن تكون هناك آثار سلبية قوية على الريال بسبب قرارات السعودية والإمارات والبحرين ومصر بقطع العلاقات الدبلوماسية، إذ إنّ أكبر بلد مُصدِّر للغاز الطبيعي المسال في العالم يتمتع بثراءٍ شديد يمكِّنه من تبديد أثر تهديد نزوح رأس المال عبر تسييل جزء فقط من احتياطياته المالية، بحسب رويترز.


ويمكن تلخيص أسباب قدرة قطر على الحفاظ على استقرار الريال في أربعة عناصر رئيسة، وهي:


1) الاحتياطات والأصول الخارجية


يرى «ممدوح الولى»، الخبير الاقتصادي، ونقيب الصحافيين المصريين سابقًا، أنَّه عادة ما تستخدم الدول احتياطاتها من العملات الأجنبية للدفاع عن سعر صرف عملتها، فيما تملك قطر احتياطاتٍ من العملات الدولية بلغت 33.9 مليار دولار في مارس (آذار) الماضي، ويمكن استخدامها بالضخّ خلال فترات زيادة الطلب على العملة، يضاف إلى ذلك الأصول السائلة الخارجية المملوكة للحكومة والبالغة 295 مليار دولار والتي تعادل نسبة 190% من الناتج المحلي القطري، كما تعادل فاتورة الاستيراد القطرية لعشر سنوات.


وتابع الولى خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أنه بجانب الوسائل النقدية تبقى المهمَّة الرئيسية للحكومة القطرية في إظهار استمرار الحياة الطبيعية داخل الاقتصاد القطري من خلال استمرار عمليات تصدير الغاز الطبيعي المسال وعبر «خط أنابيب الدولفين»، واستمرار عمليات تصدير الألومنيوم والأسمدة، وكذلك استمرار التعاملات الطبيعية داخل المولات التجارية مع توافر السلع، والمعاملة العادية للعمالة الوافدة حتى من الدول التي قامت بمقاطعة قطر.


ويؤكد الخبير الاقتصادي أن عودة بورصة قطر للصعود الخميس الماضي، واستمرار الفلبين في إرسال العمالة الفلبينية لقطر بعد قرار المقاطعة من جانب دول خليجية، وأسلوب التهدئة الرسمية وعدم الإنجرار للتصعيد، كل هذه العوامل تزيد الثقة لدى المستثمرين فتهدأ حركة بيع الأسهم أو التخلُّص من العملة بشكل كبير، وهو الأمر الذي يحمي الريال من تقلبات عنيفة في الفترة القادمة.


في المقابل، يشدد خبراء ورجال أعمال قطريون على قوة الاستثمارات الخارجية لبلادهم، مشيرين إلى أنّ قطر تتمتَّع بمحفظةٍ استثماريةٍ ضخمة قادرة على تجنيب البلاد أيَّ أزمة اقتصادية أو تغيرُّات سياسية في المنطقة، وذلك مع امتلاك الدوحة لـ«جهاز قطر للاستثمار» الذي يعد ضمن أقوى عشرة صناديق سيادية في العالم.


وتشير البيانات الصادرة معهد الصناديق السيادية الأمريكي» – أكبر المؤسسات التي تقيِّم أداء وتحركات أصول الصناديق السيادية – إلى أنَّ أصول جهاز الاستثمار بلغت نحو 335 مليار دولار ضمن محفظة متنوعة في كافة قطاعات الاستثمار خارج قطر، فيما تبتعد هذه الاستثمارات عن بؤرة الخلاف الخليجي، إذ إنَّ بريطانيا لديها نصيب الأسد من هذه الاستثمارات، بالإضافة إلى فرنسا وأمريكا.


2) فائض الميزان التجاري


طالما تصدِّر الدوحة الغاز، فمن المستبعد أن ينخفض ميزان معاملاتها الجارية كثيرًا في المنطقة السالبة. هكذا يؤكد المحللون، إذ إنَّ الغاز القطري يعدُّ ضامن للاستمرار الفائض في ميزان المعاملات الجارية بالبلاد التي تسجل قفزات مستمرة بالفائض التجاري، وذلك في الوقت الذي أكده فيه الجميع أنه لا مساس بصادرات الدوحة من الغاز الطبيعي، إذ أظهرت بيانات وزارة التخطيط التنموي والإحصاء القطرية، زيادة الفائض التجاري لدولة قطر 105% على أساس سنوي خلال أبريل (نيسان) الماضي، مقارنةً بالشهر نفسه من 2016، وحقَّقَ الميزان التجاري السلعي (الفرق بين إجمالي الصادرات والواردات) فائضًا بـ9.8 مليار ريال (2.7 مليار دولار) في أبريل (نيسان) 2017 مقارنةً بالشهر المماثل من العام السابق.


وقالت بيانات الوزارة، إنَّ صادرات الغازات البترولية وأنواع الغاز الأخرى نمت بنسبة 33% إلى 11.5 مليار ريال (3.16 مليار دولار)، ويأتي هذا الارتفاع استمرارًا لارتفاع فائض الميزان التجاري السلعي القطري في مارس (آذار) 2017 إلى 9.9 مليار ريال (2.7 مليار ريال)، بزيادة 70.7 بالمائة على أساس سنوي.


جدير بالذكر، أنَّ صندوق النقد الدولي توقع قبل الأزمة أن يساهم ارتفاع أسعار النفط والغاز في تحقيق قطر لفائض قدره 1.2 مليار دولار هذا العام، يرتفع تدريجيًّا إلى 4.7 مليار دولار في 2020، مقارنة مع عجز بقيمة 3.5 مليار دولار في العام الماضي.


3) ربط الريال بالدولار يضمن استقراره


وبعيدًا عن الاحتياطات والأصول فإنّ ربط العملة القطرية بالدولار يعدُّ أحد أبرز مقومات استقرار العملة القطرية، إذ يقول «كريس تيرنر» رئيس الإستراتيجية العالمية لدى «آي.إن.جي» الأوروبية: إنَّه بالرغم من أن الضغط على الريال غير مسبوق، لكن لا يتطلع أحد إلى إلغاء ربط العملة القطرية بالدولار.


«جيسون توفي»، الخبير الاقتصادي المعنيّ بالشرق الأوسط لدي «كابيتال إيكونوميكس» في لندن، اتفق كذلك مع تيرنر، إذ قال: إنه لا يتوقع التخلي عن ربط الريال بالدولار، حيث يرى أن الرياض، قد تكون راغبة في تجنُّب دفع قطر نحو هذه الخطوة؛ لأنه إذا اضطرت قطر إلى تخفيض قيمة عملتها، فقد تنشأ مخاوف جديدة بشأن ربط عملات أخرى بالدولار في المنطقة، والسعودية ليست بعيدة عن هذا الخطر.


4) متانة الجهاز المصرفي


يتميز الجهاز المصرفي القطري بمتانته وقدرتها على تجاوز الأزمات، وهو الأمر الذي برز في أكثر من مناسبة، فيما يحاول مصرف قطر المركزي السيطرة على الأوضاع، وقد نجح في ذلك حتى الآن، إذ قالت مصادر مصرفية: إن المصرف طلب من البنوك التجارية تقديم معلومات تفصيلية عن تداولات النقد الأجنبي، موضحه أنَّ الطلب جاء لتوفير معلومات بشأن تداولات النقد الأجنبي يوميًا لدى البنوك، وبيان يومي لعمليات السحب والتحويلات من الودائع التي لا تقل قيمتها عن عشرة ملايين ريال (2.7 مليون دولار) ومعلومات يومية بشأن سحب السيولة والودائع.


يشار إلى أنه في الماضي، كان المصرف المركزي يطلب من البنوك مثل هذه المعلومات شهريًّا، ولكن – وكما ذكرنا فإن – هذه المعلومات ستمكِّن المركزي من التدخل سريعًا لعلاج أيِّ خلل يمكن أن يحدث ويؤثِّر على عُملة البلاد، وهو الأمر الذي انعكس على تعاملات المصارف وشركات الصرافة، حيث حصل العملاء على خدماتهم المعتادة، ولم يواجه المقيمون أيَّة مشاكل في إجراءات التحويلات المالية إلى بلدانهم بما فيها الدول التي تقود الحصار الاقتصادي ضد قطر.


كيف سيؤثر تخفيض تصنيف قطر على قوة الريال؟


على الرغم من أن وكالة «ستاندرد آند بورز» للتصنيفات الائتمانية خفَّضت تصنيفها لديون قطر الأربعاء الماضي، مبررة ذلك بانخفاض الريال القطري إلى أدنى مستوياته في 11 عامًا، إلا أنه من المبكر جدًا الحديث عن انخفاض حقيقي لتصنيف قطر الائتماني؛ إذ يأتي تخفيض «ستاندرد آند بورز» تصنيفها الائتماني للديون القطرية الطويلة الأجل درجة واحدة إلى AA- من AA، وهو خفض غير مؤثر على سعر العملة القطرية، وهو ما ظهر في تعاملات الأيام الأخيرة.


وكالات التصنيف الائتماني.. هكذا تحرِّك أمريكا الاقتصاد العالمي عبر الثلاثة الكبار


ومن جانبها رهنت وكالة «موديز» للتصنيف الائتماني تراجع جودة الائتمان القطري باستمرار التوترات الخليجية لفترة طويلة، قائلة: «إذا طال أمد الخلاف بين قطر وجيرانها بمجلس التعاون الخليجي، أو اشتدت حدته، فمن المحتمل أن يكون لذلك أثر مالي أبرز، وأن يرفع تكاليف التمويل للحكومة والكيانات القطرية الأخرى».


ومن جهتها استبعدت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني أن يؤثِّر قرار قطع دول خليجية علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية مع قطر في التصنيف السيادي، مشيرة إلى أن وضع صافي الأصول الأجنبية السيادية القطري يحمي الدوحة من اضطرابات الاقتصاد الكلي؛ إذ يبلغ صافي الأصول الأجنبية السيادية أكثر من 200% من الناتج المحلي الإجمالي وذلك يعني أن ملف الائتمان السيادي يتمتع بقدرٍ كبير من الصمود أمام الصدمات الخارجية.