الأحد 2017/11/12

صنوف الإستبداد وتأثيره في “الربيع العربي”

لقد تعاضد الاستبداد المحلي و الإقليمي و الدولي على الربيع العربي. وقد يكون ذلك إكراما من الله لهذه الأمة، لكي تأخذ حقها بيديْها دون مِنّة، وتجني ثمار تضحياتها غير منقوصة.

و كان الذين وقفوا في وجه الربيع العربي صنوفا مختلفين في مزاجهم السياسي والأخلاقي :

- فأكثرهم جهالةً هو الثورة المضادة العربية التي جمعت بين الخطيئة الأخلاقية، والخطأ السياسي، والبلاهة الاستراتيجية.

- وأشدهم نفاقاً هو السياسة الأميركية التي بذلتْ غاية الجهد في إفشال الربيع العربي في السرِّ، والتظاهر بنصرته في العلن!

- وأكثرهم صفاقةً هو روسيا التي جاهرتْ بالإثم، واتخذت دماء شعوبنا أداة لإثبات الذات أمام الغرب، تباكيا على ذكرى الإمبراطورية السوفياتية الهالكة.

- وأكثرهم جُبناً وقِصَرَ نظرٍ هم الأوربيون، الذين فرَّطوا في استثمار الربيع العربي لفتح صفحة إنسانية جديدة مع الجوار العربي، والمسلم عموما.

- وأكثرهم أنانيةً هم أدعياء "الليبرالية" و"العلمانية" العرب الذين أصرُّوا على حرمان الإسلاميين من الحكم، ولو بحرمان الشعب كله من الحرية.

- وأشدهم غباءً هو إيران التي فتحت في خاصرة الربيع العربي حربا طائفية هوجاء، ومعركة تاريخية غبيَّة، تُحيي الأموات وتقتُل الأحياء.

وأخطر هذه الأصناف هم الأميركيون الذين سعوا إلى تحويل الثورات العربية مَصْهرة دموية، وحربا أبدية، لا غالب فيها ولا مغلوب.

وزاد من هذا الخطر أن العديد من الثوار وداعميهم جارَوْا أميركا في موقفها المُرائي، وتظاهروا بتصديقها في قولها الذي يكذِّبه الفعل، على مذهبها في إظهار الصداقة وإسرار العداوة. وما أبلغ المتنبي في قوله:

ومن العداوة ما ينالك نفْعُهُ ... و من الصداقة ما يضرُّ ويُؤلمُ

وفي قوله:ومِن نَكَدِ الدنيا على الحُرِّ أن يَرى ..عدوًّا له ما مِن صداقته بُـــــدُّ

أما من حيث الامتداد في الزمان، فإن الربيع العربي مفاصلة من الشعوب مع الاستبداد، وهي صائرة إلى غايتها الحتمية من العدل والحرية.

فالوقت في صالح الثورات، وقد يستطيع أعداء الشعوب تأجيل ثمار هذه المفاصلة، ورفْعَ ثمنها من الدماء، لكنهم لا يستطيعون صدَّها عن غايتها.

وحينما يتلفع الربيع العربي بالدم القاني، فذلك دليل على أنه يحمل معنى الصراع الوجودي والتغيير المصيري، وأنه ليس مجرد مهرجان سياسي مخملي.

لقد أثمر الربيع العربي حتى الآن نماذج شتى من الثمار السياسية، ففي تونس تحوُّلٌ ديمقراطي متأرجح الميزان، وفي مصر فشلت الثورة المضادة ولم تنجح الثورة بعدُ، وفي اليمن وليدٌ ثوريُّ غدرتْ به القابلة لحظة ميلاده ثم جلستْ تذرف الدمع عليه وتحاول إنقاذه، وفي ليبيا اجتثاثٌ للسلطة وفراغٌ مفتوح، وفي سوريا انسدادٌ دمويٌّ بسبب كثرة اللاعبين وتضارُب أهوائهم. لكن المتأمل من وراء هذا التنوع يرى مسارا واحدا صوب الحرية، ومسيرة واثقة لا رجعة معها للدكتاتورية.

ويبقى ألدُّ أعداء الربيع العربي هو ثقافة اليأس والجبرية، وضَعْف الأمل في المستقبل، والسلبية بدعوى الحياد.

لذلك نختم بجملة للشاعر الرومي، كما افتتحنا بجملة له "إنَّ لَدَى نسائم الفجر سراًّ تريد البوْح به إليك، فلا تَعُدْ إلى النوم. "