الأحد 2017/07/09

تحت الحماية المؤقتة

أيها الأتراك جئناكم من أرض سوريا وليس فينا أحد إلا وفيه طعنة بشظية يستعصي الطب عن سحبها حتى تستقر في مكان ما من الجسد بفعل طائرات حربية أريد لها أن تحمي عرش أخطر نظام عرفته المنطقة العربية، وليس فينا أحد إلا وله أخ أو أب يقبع خلف قضبان المعتقل لأنه صرخ يوماً بوجه جلاديه فكان عقابه أن يغيب في سجونٍ، الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود، والمنازل التي دفع أحدنا دمه وشقاء عمره للحصول على أحدها سوّيَت مع الأرض، وجعلتها آلة الأسد الحربية أثراً بعد عين، ولم يبق لدينا سوى صور في الذاكرة تعلل النفس في منافي اللجوء.

أيها الأتراك، ليس منا عائلة إلا وفيها شهيد، فما بالكم بعوائل كلها شهداء، لا تزال ذكرى هؤلاء تتردد في جلساتنا وأحاديثنا وسهراتنا، لأنه لم يبق لدينا شيء سوى أن نحرس ورد الشهداء.

كان القدر أسرع من أن يتخيله عقل عاقل، حين قذفت بنا أمواج اللجوء في أرض القسطنطينية وجبال الأناضول، هرباً من جحيم الظلم والاستبداد، والقصف والجوع، ليكون خيارُ الغالبية العظمى من السوريين الفارين من بطش نظام الأسد الاستقرار في تركيا، فكانت تركيا قيادة وشعباً خير ناصرٍ وخير معين، وهذا ما شهده اللاجئون الأوائل حينما قاسمتموهم المأكل والملبس والمشرب، ثم جاءت اللائحة التنظيمية للحماية المؤقتة بموجب قرار مجلس الوزراء التركي رقم 6883 بتاريخ 13/10/2014 ، بشمول كل القادمين من سوريا من تاريخ 28/4/2011 تحت الحماية المؤقتة.

كان قرار الحماية المؤقتة أول بلسم تلقته جراح السوريين في تركيا، وشكل القرار مبعث تفاءل على بدء انطلاق حياة جديدة تعينهم في شؤون دنياهم حتى يتعافى الوطن الأم من محنته وينهض من جديد.

السوريون في تركيا ليسوا إلا طلاب عيش كريم تمر كل ساعة عليهم بألف سنة مما تعدون، هم منشغلون في كيفية أن يكونوا فاعلين في مجتمع جديد له عاداته وتقاليده وثقافته، وما يدل على كلامي هو انخراط اليد العاملة منهم في كثير من المهن والمعامل والورش، ومنهم من أسس شركات تجارية كبرى دخلت السوق من أوسع أبوابه، وأثبتوا أنهم فاعلون وقادرون على رفد الاقتصاد التركي بمزيد من النمو، واستطاعوا استئجار البيوت وكسب لقمة عيشهم بعيداً عن مد اليد للغير.

وعليه فإن التاريخ سيذكر كرم الأتراك وحسن ضيافتهم لأكثر من ثلاثة ملايين سوري، وأن ما يجري من حوادث تعكر صفو الأخوّة ومبدأ "المهاجرون والأنصار" هو من قبيل محاولة الإيادي الخفية زعزعة استقرار تركيا الصاعدة نحو مصافِّ الدول العظمى، ومحاولة امتطاء اللاجئين واستغلال قضيتهم في وضع عصا الفتنة في عجلة التقدم والنمو التي يسعى لها ساسة تركيا، ونجدد نحن كسوريين وقوفنا ضد أي عمل يهدد أمن وسلامة هذه البلاد، التي باتت كهفاً لكل المستضعَفين في العالم بغض النظر عن هويتهم أو دينهم أو عرقهم.