الخميس 2017/07/06

بعد شهر على المقاطعة .. قطر “تحاصر” محاصريها وتنتصر، و”حلف الأربع” ينكص على عقبيه

من تابع مساء أمس البيان الختامي لاجتماع دول المقاطعة وحصار قطر، لا بد أنه أدرك الفشل الذريع الذي وقع به ذلك المحور في حربهم السياسية والاقتصادية والإعلامية ضد الدوحة.

تأخر وارتباك واضحان قبل قراءة البيان الذي تأجل عن موعده المقرر، ثم عبارات أسف على "الرد السلبي" لقطر، ثم حديث عن اجتماع قادم في البحرين، هذا كل ما خرج به الاجتماع السعودي الإماراتي البحريني الذي استضافه السيسي الموعود بالرز إن هو تابع التصعيد وثبت على موقفه قبل أن يأتي من يأمره بالتراجع أو يدفع له أكثر!.

وأمام الجعجعة الفارغة التي أرغت وأزبدت بها دول المقاطعة ووسائل إعلامها بها، لا بد من القول بارتياح إن الحملة الشرسة ضد قطر فشلت بعد شهر من الحصار، وذلك لأسباب كثيرة ومعطيات فرضت نفسها ربما في الساعات الأخيرة قبيل اجتماع القاهرة، الذي استبقه وزير الخارجية القطري بالتشديد على أن بلاده لن تتنازل عن موقفها وسيادتها.

وحتى لا تغرق مقالتنا في التفاصيل لا بد من وضع القارئ في عدة نقاط ساهمت مجتمعةً في جعل هذه الحملة "زوبعة في فنجان"، قبل أن يعلن البيان الختامي في "دار الندوة" بالقاهرة فشل "الأحزاب" ونكوصهم على أعقابهم.

1- الصمود الاقتصادي في قطر :

لا بد لدولة مثل قطر يزيد صندوقها السيادي على 300 مليار دولار، أن تكون جاهزة للتعامل مع الضغوطات الاقتصادية التي واجهتها بها دول المقاطعة، هذا الأمر يجب أن يوضع في رأس القائمة، ثم تأتي تباعاً عوامل أخرى تتعلق بالطبيعة الاقتصادية لقطر التي تنتج سنوياً 77 مليون طن من الغاز المسال الأكثر جودة وتعد أكبر دولة مصدرة له في العالم، بل إن الحصار لم يمنعها من نية توسيع الإنتاج 33 % خلال الأعوام القادمة بحسب ما أفاد به سعد شريدة الكعبي، رئيس شركة قطر للبترول، الذي أعلن في مؤتمر صحفي أن بلاده "تعتزم رفع الإنتاج إلى 100 مليون طن من الغاز الطبيعي سنوياً بحلول عام 2024" ، وقال الكعبي إن هذا التوسع "سيزيد من مستويات الإنتاج إلى ما يعادل ستة ملايين برميل من النفط يومياً".

أضف إلى ذلك أن غاية الحصار البري والجوي الذي فُرض على قطر ذهبت أدراج الرياح منذ الساعات الأولى بسبب اتجاه قطر إلى خطوط نقل جوية وبحرية بديلة أمَّنت فيها تركيا كافة احتياجات الإمارة، وهكذا فشل اللعب على العامل الاقتصادي في الحصار وبقي الريال القطري محافظاً على قيمته بشكل عام رغم الدعايات الفارغة التي روجت لها وسائل إعلام "حلف المقاطعة" حول "مأزق اقتصادي" تمر به قطر، الحقيقة أنه غير موجود سوى في غرف أخبار تلك القنوات وعلى شاشاتها.

2-فشل التجييش السياسي والإعلامي ضد قطر:

حيث تخيلت دول السعودية والإمارات أنهما ستحظيان بإجماع خليجي على مقاطعة قطر، فكانت الضربة الأولى من الكويت وعُمان اللتين أفشلتا هذا الإجماع ، وأعلنتا الحياد، بل إن الكويت دخلت بدل المقاطعة في وساطة حثيثة لحل الخلاف دعمتها الولايات المتحدة وأوربا.

أما الضربة لثانية فكانت عربية وعالمية، فلم تلق دعوات "معاقبة قطر" أذناً صاغية لدى دول عربية كالسودان والمغرب والجزائر والعراق، بينما وقفت ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا مواقف طالبت بحل الخلاف عن طريق الحوار وعدم التصعيد.

أما الولايات المتحدة فظهر التخبط في موقفها مؤشراً على أنها لم تحسم أمرها في الوقوف إلى جانب الرياض وأبو ظبي، فرغم المليارات التي عاد بها ترامب من السعودية، وتصريحاته في البداية عن دور قطر في "تمويل الإرهاب"، إلا أنه ووجه بموقف مخالف من قبل الخارجية والدفاع اللتين تمسكتا بدور قطر في التعاون مع الولايات المتحدة، هذا بالإضافة إلى الحملة الإعلامية الثقيلة التي قادها الإعلام الأميركي ضد فكرة معاقبة قطر من دول تعد المصدر الأول للإرهاب "بحسب الرؤية الأميركية العامة"، بل إن بعض "دوائر الضغط" في الولايات المتحدة طالبت ترامب بنفض الغبار عن قانون "جاستا" الذي يجيز رفع دعاوٍ ضد مسؤولين سعوديين لدور محتمل لهم في هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2011.

كل ذلك دفع إدارة ترامب إلى "التراجع المحسوب" عن دعم موقف دول المقاطعة، والحديث عن وجوب حل الأزمة بالحوار وعدم الدفع نحو التصعيد، في وقت يعاني فيه ترامب أصلاً من مشاكل قضائية حول التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية وملفات أخرى.

3- التدخل العسكري التركي :

جاء نبأ إرسال تركيا المئات من جنودها تباعاً إلى الدوحة، وتفعيل اتفاقية القاعدة العسكرية التركية هناك، كضربة قاصمة لما كان يخطَّط له في السر من نيات تدخل عسكري خليجي في قطر ينهي حكم آل ثاني هناك بالقوة. وهذا ما عبر عنه صراحة وزير الدفاع القطري خالد العطية أثناء زيارته إلى أنقرة.

ولا ننس أن تركيا واجهت منذ البداية الدعوات إلى إغلاق قاعدتها العسكرية في قطر بلهجة حاسمة، اعتبرت فيه هذه القضية شأناً داخلياً قطرياً لا يمكن المساومة عليه.

4- قوة البيت الداخلي القطري:

ولعل هذا العامل من أقوى العوامل التي ساعدت حكام قطر على المناورة بثقة خلال شهر الحصار المنصرم، فقطر تعد من أكثر الدول استقراراً في مؤشر السعادة العالمي، وهي الدولة الأولى عالمياً في متوسط نصيب الفرد من الناتج القومي، الذي وصل إلى 129 ألف دولار سنوياً، أضف إلى ذلك أن قطر ليس فيها أي سجين رأي أو سياسي، وتعيش نوعاً فريداً من الديمقراطية تفتقده جاراتها السعودية والإمارات صاحبتا الصيت السيئ في مجال حقوق الإنسان.

وهكذا تمسك القطريون بموقف قيادتهم ودعموها معنوياً وإعلامياً، وضمنت الأسرة الحاكمة أنها لن تؤتى من قِبَلها ولا سيما بعد الموقف المؤيد لها من قبيلة آل مرة ذات الثقل العشائري الكبير، والتي أعلنت وقوفها مع الأمير تميم بن حمد.

5-التخبط وارتباك القرارات لدى "محور المقاطعة":

إن من بدائيات السياسة لدى الأفراد أو الدول عدمَ إتلاف نقاط الضغط على الخصم دفعة واحدة، لأن من الممكن أن يتلقى الخصم الضربة القاسية ويعطي رداً أقوى، وهذا ما حصل بالضبط في الأزمة الخليجية، أذ ألقت دول المقاطعة ما في جعبتها خلال الساعات ال 24 الأولى من بدء الحصار، سحب السفراء، وإغلاق المنافذ البرية مع قطر ومنع الطيران من الوصول إلى أجوائها ومطاراتها، وقطع بث قناة الجزيرة في تلك الدول وترحيل القطريين خلال أسبوعين، وقرارات أخرى ظنت السعودية والإمارات أنها وجهت بها الضربة القاضية إلى الدوحة.

ما حصل أن القطريين كما هو متوقع امتصوا الضربة، وواجهوا بقوة أكبر، فالحصار البري والجوي وجدوا له بدائل بعد ساعات من فرضه، وصارت قناة الجزيرة أقوى وأكثر متابعة بعد إيقاف بثها والحملة ضدها، ولم يتأثر القطريون بمغادرة دول المقاطعة ما عدا حالات إنسانية فضحت معاناتها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش ومنظمات إنسانية أخرى أخرجت السعودية والإمارات والبحرين في صورة شنيعة بسبب تلك القرارات.

وتواصل التخبط ضد قطر خطاه المريضة خلال الشهر المنصرم، بأداء دبلوماسي هزيل لدول الحصار قابلته دبلوماسية قطرية واثقة لم تهدأ خلال 4 أسابيع، هذا بالإضافة إلى الحملة الإعلامية "الصبيانية" التي شنتها أكثر من 40 قناة مصرية سعودية إماراتية بحرينية، ومئات المواقع ..والتي وقفت قناة الجزيرة القطرية بوجهها جميعاً، ليذهب جهد مئات ساعات البث والتغطيات الإعلامية ضد الدوحة بتقرير واحد يعرض على الجزيرة لفاطمة تريكي أو ماجد عبد الهادي أو فوزي بشرى.

في الواقع ربما لا تكون قائمة الأسباب التي سردتها نهائية، وربما ثمة أسباب أخرى لا تظهر للعلن في الوقت الحالي، لكن المهم أن قارئ هذه السطور أدرك معي أن حملة الأحزاب تفرقت وذهبت ريحهم وانكفأت أقدارهم وباءت حملتهم بالفشل، رغم اتفاق سادة الحلف على عقد لقاء قادم في البحرين، وقد نشهد لقاء آخر في أبو ظبي ثم الرياض ثم جزر القمر ثم جمهورية موريشيوس التي لم أسمع اسمها صراحة إلا في قائمة دول أسقطت نفسها حين حاصرت قطر، قد يستمر الحصار لتبرر هذه الدول فشلها أمام شعوبها، وقد تتواصل الحملة التحريضية ضدها، لكن الثابت أنها صمدت بصمود قضاياها وانتصرت وانتصرت معها فلسطين وأقصاها والثورة السورية وشهداؤها والشرعية في مصر، وانتصر معها كل حر في هذا العالم الذي قد تمرض فيه الحقيقة والحق ..لكنهما لا يموتان.