السبت 2017/06/17

إيران والإمارات .. خلافات الإعلام وحميمية العلاقات !

ترتبط الدول ببعضها عادة بعدة أنواع من العلاقات، بعضها ما يكون بحكم الجوار، والآخر بحكم المصالح الاقتصادية المشتركة، وأحياناً تكون الإيديولوجيا رابطاً جيداً بين دولتين أو مجموعة دول.


ويبدو أن التغييرات السريعة التي أصابت المنظومة العالمية منذ انهيار الاتحاد السوفياتي وبروز الولايات المتحدة قوة عالمية وحيدة، ساهمت بتبدلات في طبيعة العلاقات التي كانت تحكم الدول، ولعل السمة التي باتت تفرض نفسها بقوة في هذا المضمار ما يعرف بـ"علاقات ما تحت الطاولة" تعبيراً عن دول تظهر في سياساتها وإعلامها شيئاً، وتخفي مجموعة من التحالفات التي لا تخرج للعلن إلا في إطار التسريبات.


ولعل الأمثلة على نوع "تحالفات ما تحت الطاولة" كثيرة، منها الخلاف الظاهر بين الولايات المتحدة وإيران، أو بين الولايات المتحدة وروسيا، ومنها العلاقات بين دول عربية وإسلامية مع "إسرائيل"، ومنها كذلك علاقات دول عربية مع إيران.


عندما يتعلق الأمر بالعرب، فإن سياسة "تحت الطاولة" تأخذ منحًى مختلفاً عن بقية الدول، وذاك لأنهم لم يعودوا أصحاب قرار منذ عقود، ما أجبرهم على أن يُظهروا لشعوبهم شيئاً، بينما يقومون سراً بما يخالف الظاهر المُعلَن.


ومن الأمثلة الصارخة على مفهوم "النفاق" الذي يحكم علاقات بعض الدول، مثالُ العلاقات الإماراتية الإيرانية، التي تظهر على وسائل الإعلام وكأنها علاقة بين دولتين في حالة حرب مفتوحة، بينما تأخذ هذه العلاقة "من تحت الطاولة" بعداً تجارياً مصلحياً متناغماً بشكل كبير.


احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث في 30-11-1971 ، جعل الصورة العامة الظاهرة للعلاقة بين طهران وأبو ظبي هي حرب تصريحات وبيانات، لكن الواقع يقول إن العلاقات الاقتصادية "بل والسياسية" بين الجانبين على أحسن ما يرام.


أولاً: التبادل التجاري بين إيران والإمارات:


لم تتأثر العلاقات التجارية بين طهران وأبو ظبي بالعقوبات الغربية والتوتر السياسي بين طهران وبقية دول الخليج العربي، وبقي حجم التجارة بين الطرفين في مستويات مرتفعة، لأن الموانئ الإماراتية كانت بمثابة الرئة الاصطناعية التي تتنفس من خلالها إيران بعد العقوبات الأميركية والغربية عليها.


تجاوز حجم التبادل التجاري بين إيران والإمارات رقم 16 مليار دولار عام 2016، وتشكل الإمارات نسبة 90% من حجم التجارة بين إيران ودول الخليج مجتمعة، كما يشهد قطاع الطيران حركة نشيطة جداً بين البلدين، بواقع يفوق مئتي رحلة أسبوعياً، هذا بالإضافة إلى وجود نحو 400 ألف إيراني في الإمارات بينهم نسبة كبيرة من التجار ورجال الأعمال، وتوجد 8 آلاف شركة إيرانية تعمل في الإمارات بشكل رئيسي في قطاع المواد الغذائية والمواد الخام والحديد والفولاذ والإلكترونيات والإطارات، والمعدات المنزلية.


ثانياً : التوافق في عدد من الملفات السياسية:


قد يعمل الإعلام على صنع صورة نمطية تُظهر إيران والإمارات على طرفي نقيض في عدد من الملفات كسوريا واليمن مثلاً، لكن الواقع أن الطرفين تلتقي مصالحهما دائماً عند نقطة واحدة، ما يضع إشارات استفهام كبيرة حول "تعاون سياسي محتمل" يأتي كذلك "من تحت الطاولة" في هذه الملفات.


إيران وقفت منذ بداية الربيع العربي ضد هذه الموجة، لأنها تدرك أن دولاً عربية قوية ديمقراطية، لن تبقيَ لها أحلامها الفارسية في المنطقة من جديد، والواقع أن ملاليَ طهران وأذرعهم اعتبروا كل ما جرى تحت باب "الفوضى" ما عدا أحداث البحرين التي اعتبروها "ثورة شعبية عارمة" ، على كل ..الإمارات كذلك وقفت بكل طاقتها ضد موجة الربيع العربي لأسباب تختلف عن الأسباب الإيرانية، فهي إما أدركت أن هذه الموجة ستقتلع يوماً ما نظام المشيخات في الخليج، أو أن أحداً ما كلَّفها بالوقوف بوجه هذه الموجة من خلال ما يُعرف بـ"الثورات المضادة" بقيادة "محمد دحلان".


لا يمكن لنا وفق هذه المعلومات أن نَعجبَ من تأخر الحسم العسكري في اليمن إذا علمنا الدور الإماراتي المشبوه في الجنوب، ولا أن نعجب من تحويل جنوب سوريا من مهد للثورة إلى منطقة وادعة بالمال الإماراتي الذي يشكل الداعم الرئيسي لما يعرف بغرفة الموك، لكن العجب يمكن أن يتملكنا حين نعرف أن الإمارات تتهم قطر بإقامة علاقات مع إيران، رغم الأرقام التي توثقها المبادلات التجارية بين أبو ظبي وطهران، في حقيقة الأمر يمكن لقطر أن تقيم علاقات "تحت الشمس" مع إيران في إطار مبدأ الجوار، لكن الإشكال أن يملأ حكام الإمارات وسائل إعلامهم الرسمية وغير الرسمية بعبارات العداء لإيران ثم يمارسون معها علاقة "غير شرعية" من تحت الطاولة ! هذا في واقع الأمر يشبه كثيراً ما تفعله إيران كذلك مع أميركا، حين تنادي في الساحات "الموت لأمريكا" بينما تعقد معها الصفقات وتنال منها الدعم في كل من العراق وسوريا..وأماكن أخرى قد تكشفها لنا قادمات الأيام.