الثلاثاء 2018/05/15

أردوغان والفوز الدائم.. لماذا..!!؟؟

تخوض تركيا في الرابع والعشرين من شهر حزيران/ يونيو القادم، انتخابات رئاسية لأول مرة، بعد قبول النظام الرئاسي بفارق نسبة بسيطة في الاستفتاء الدستوري الذي جرى نيسان/ أبريل العام الماضي وتم قبول النظام الرئاسي بنسبة 51.41 بالمئة وهي نسبة تجعل هذه الانتخابات هامة وحرجة وحاسمة بالنسبة لمستقبل تركيا وربما المنطقة كلها، حيث تعول المعارضة على نسبة الرافضين التي قاربت النصف وتراها كتلة صلبة تجمعها معارضة الرئيس طيب أردوغان ومحاولة الفوز عليه هذه المرة.

كل متابع للانتخابات التركية، وخاصة في العقود الثلاثة الماضية يدرك أن التكهن بنتائج الصناديق ليس أمراً سهلاً ، فللناخب التركي مفاجأته ومواقفه التي تقلب كل استطلاعات الرأي وتوقعات المحلليين، ومن هنا نجد الحزب الحاكم برئاسة أردوغان يحسب كل الحسابات ولا يستهين بأبسط التدابير والاحتياطات لضمان النتيجة.

ورغم التحديات الكبيرة السياسية والاقتصادية التي تعيشها تركيا هذه الأيام وتوتر العلاقات مع الحلفاء الأمريكيين والأوروبيين والانقلاب العسكري الفاشل الذي تعرضت له، والحرب القائمة في جوارها، واجتماع كل أطياف المعارضة اليمينية واليسارية والاسلامية ضده هذه المرة، لكن يبدو أن الرئيس أردوغان يمشي بخطى ثابته نحو الفوز للمرة الثانية عشر على التوالي خلال العقدين الماضيين...

فلماذا يفوز أردوغان دائماً رغم كل هذه التحديات والمعارضة المجتمعة ضده والتحالف الدولي هذه المرة..!؟

عندما بدأت بكتابة المقال، تذكرت أنني كتبت مقالاً سابقاً عن الموضوع نفسه، ولكن قبل سبعة أعوام وفي بدايات الربيع العربي... ويومها كنت أريد إيصال رسائل لأصحاب الثورات العربية التي أثبتت السنيين أنها لم تصلهم أوأنهم لم يستفيدوا منها...

وبعد العودة للمقال القديم رأيت من الأنسب إعادة نشره ومن ثم الإضافة عليه في مقالات قادمة لإعطاء السنيين الماضية والتغيرت الأخيرة حقها من النقد والنقاش...

أردوغان لماذا فاز.. ويفوز... وسيفوز أيضاً...؟

06.06.2011

بعد أسبوع من اليوم، سيتجه أكثر من خمسين مليون ناخب تركي لاختيار برلمانه الجديد، الذي يعول عليه في عملية تغيير جذرية للدستور الحالي، والانتقال لدستور يوائم متطلبات العصر، ويضمن كافة الحقوق الإنسانية، ويزيل ما بقي من شوائب الدساتير العسكرية السابقة.

ويخوض رجب طيب أردوغان هذه الانتخابات للمرة الثالثة، وهو على رأس حزب العدالة والتنمية، وسيكون الانتخاب الثامن له، حيث تمكن من الفوز دائما في كل الانتخابات السبعة الماضية منذ فوزه برئاسة بلدية إسطنبول عام 1994م، وبعدها بسبعة عشر عاما لم يخسر رجب طيب أردوغان أبداَ، بل ولم تتراجع شعبيته في أي انتخاب.

وكان يحقق المزيد من النجاحات ورفع نسب الأصوات المؤيدة له في كل انتخاب أو استفتاء خاضه حتى الآن، رغم وجوده على رأس السلطة، وهذا يستدعي منطقياً تآكل للحزب الحاكم نتيجة لضغط مطالب الجماهير بمزيد من الحقوق والإنجازات الاقتصادية، ومزيد من الرخاء والأمن، وهذا ليس من السهل تحقيقه، وما حظي به أحد من رؤساء أحزاب أوروبا ولا رؤساء أمريكا، رغم رسوخ قدم بلادهم في مجال الديمقراطية والاستقرار الاقتصادي.

وتؤكد استطلاعات الرأي فوز العدالة والتنمية بزعامة أردوغان من دون أي منازع ولا منافس، وما عاد الحديث بعد اليوم عن الفائز الأول، بل على النسبة التي سيحققها حزب أردوغان، والتي تشير الاستطلاعات أنها ستتراوح بين 45-50 بالمئة من الأصوات، وعلى عدد المقاعد التي سيفوز بها، وهل سيسمح له بتغيير الدستور بمفرده أم لا.

هذا الفوز المستمر والنجاح تلو النجاح الذي حققه ولا يزال يحققه رجب طيب أردوغان، رغم أنه تعرض لمحاولة إغلاق لحزبه الحاكم بحجج واهية، واضطر للعمل لمدة أكثر من ثلاث سنوات مع رئيس دولة، يحمل فكراً معاكساً، ظهر من خلال محاولات عديدة لإبطاء سرعة التحول والانتقال نحو هيكلة الدولة بما يضمن للعدالة والتنمية تطبيق برنامج حزبه بشكل أفضل، أصبح موضوع نقاش وبحث عديد من خبراء السياسة والاجتماع والاستراتيجيين والإعلاميين والصحفيين، ومحط اهتمام الرأي العربي وقيد دراسة أهل الفكر والتخطيط للمستقبل بالغرب وكل العالم وعلى كل المستويات.

فلماذا يفوز أردوغان دوما، أو لماذا لا يخسر؟

مما لاشك فيه لكل متابع، أن هناك أسباباً عديدة وليس سبباً واحداً وراء هذا النجاح، ولن أتناول النجاح الأساسي هنا للعدالة والتنمية، وهو النمو الاقتصادي الناتج عن الاستقرار السياسي، ولا رفع الدخل القومي للفرد، ولا النجاح الباهر في خفض معدلات النمو، ولا الإصلاحات الخدمية الأساسية، وخاصة في مجال الصحة الذي أعمل به، وألمس بشكل يومي مدى تأثير هذه الإنجازات على حياة المرضى وامتنانهم وتأييدهم للحكومة.

الذي أريد التحدث عنه هو شيء آخر، ربما غاب عن ذهن الكثيرين أمام وقع هذه الإنجازات المادية، حيث هناك عناصر وعوامل أخرى، منها ما هو فردي ومنها ما هو سلوكي واجتماعي ونفسي، وهي كثيرة وعديدة، لكن يمكن ذكر أبرزها:

1- قائد للتغيير:

لقد بدأ حياته السياسية تحت عباءة جماعة محافظة دينياً، تعتمد الطاعة والولاء للزعيم منهجاً، والخروج عن توجيهاته ونقده شذوذا ونشوزاً غير مسموح به، وعانى أردوغان الكثير من هذه العقلية التي حاولت تحجيمه أحياناً، لكنه أستطاع رغم هذا أن يُدخل كثيرا من ملامح التغيير على جمود العمل في هذه المجتمعات المنغلقة على نفسها.

ولكن التغيير الحقيقي بدأ بالتصريح العلني، تخليه عن هذه العباءة، ولبس عباءة اليمين الوسط، والأوضح من هذا كله، تبنيه لأفكار إصلاحية وخطوات نحو الاتحاد الأوروبي، وتبنى شعارات يسارية، أذهلت اليساريين أنفسهم، وكم سمعت من علمانيين ويساريين قدامى ـ معتدلين ومنصفين ـ وهم يباركون ويدعمون هذه الخطوات الشجاعة والجريئة في الإصلاحات الدستورية.

لقد استطاع أردوغان قراءة المتغيرات العصرية التركية منها والإقليمية والدولية، واستطاع اتخاذ خطوات على أساس هذا التصور الصحيح لقراءة الواقع.

لقد أدرك أردوغان أن الشعارات الرنانة والخطب الحماسية عن القومية والوطنية، ما عادت تجدي، وليس لها صدى في نفوس الشباب الواعي والمتعلم والواقعي، الذي يريد من يخدمه ويحقق الإنجازات العملية.

2- التواصل الاجتماعي الصادق:

أردوغان ابن الفئة الشعبية الكادحة المحافظة، أكسبه هذا الانتماء جاذبية شعبية وطنية، إضافة لقربه من الثقافة الاجتماعية الشعبية، ولكن الأساس والمهم هنا هو التعاقد العلني والشفوي المباشر بين أردوغان والجماهير المحتشدة في مهرجاناته، حيث يبادرهم بطلب التصويت مباشرة على الإصلاحات التي تضمنها برنامجه الانتخابي.

قوة الخطابة التي يجيدها أردوغان وتفاعله الحسي والعاطفي مع كثير من الأحداث، جعل الناس تبكي معه أحيانا وتطرب أحيانا كثيرة، وهي تردد وراءه شطر بيتين في نهاية كل مهرجان لتأكيد متانة هذه العلاقة.

لذا نجده يبكي من دون أي حرج، وهو يروي ذكريات له مع المطرب الكردي اليساري، الذي توفي محروما من العودة لبلده، بسبب التعنت والتعصب القومي العلماني، وهذا ما جعل القوميين واليساريين وحتى الإسلاميين في دهشة من أمرهم، لا يستطيعون استيعاب وفهم وتفسير سر هذا التعاطف مع شخص يعارضه في كل مفاهيمه وأسلوب عيشه.

من هنا نجد كثيراً من المواطنين الذين لا تربطهم أي علاقة عضوية مع العدالة والتنمية في فترة الانتخابات، يسارعون ليدلوا بصوتهم لصالح حزب أردوغان بدون أي تردد.

3- تمجيد المواطن وتذكيره بقدسية رأيه والسلطة التي يملكها:

من خلال متابعتي الدقيقة لكل خطابات أردوغان ومنذ دخوله السياسة، أكاد أجزم أنه لا يمكن أن يخلو خطاب له من دون أن يُذَّكر أن السلطة الحقيقية والرأي الأول والأخير هو للشعب والأمة التركية وليس لأي قوة أخرى مهما كانت، وأن ما تريده الشعوب هو الذي سيتم تحقيقه، وهو القادر على أن يسقط الحكومات ويرفع من شأنها عبر صناديق الانتخابات، باعتبارها الحكم الأول والأخير في هذه المعادلة.

هذا الشعور يدفع المواطن العادي للمطالبة بحقوقه ومحاسبة الموظف على أي تهاون أو تكاسل في أدائه المهني، وحتى رجل الشارع على أي تقصير يضر بمصلحة المواطن أو بمصلحة الوطن، ويزرع في النفوس الحس الوطني والشعور بقيمة الذات الفردية، مما يرفع حس المواطنة والانتماء للوطن بصدق وإخلاص.

4- بناء الفريق المتكامل بروح المشاركة:

من أول لحظة لفوزه برئاسة البلدية، كان أول انتقاد واجهه هو فقدانه للخبرة والكفاءة الكافية والدرجة العلمية اللازمة لتسيير أمور البلدية، وأنه محكوم عليه بالفشل، لكن ما حصل هو على العكس من ذلك تماماً، حيث حقق نجاحاً سريعاً أذهل حتى المعارضين له وفتح له باب الرئاسة من أوسع أبوابها.

والسبب الرئيسي في سر هذه النجاحات المتلاحقة، هو قدرة أردوغان على بناء فرق العمل الناجحة، وبراعته في اختيار العناصر القادرة على التفاني في العمل، واستعداها للبقاء في الظل لمدة طويلة.

ومن يقرأ سيرة أردوغان السياسية حتى قبل تسلمه أي منصب رسمي، يلحظ مقدرته الفائقة على استيعاب الكفاءات العلمية منذ أن كان رئيسا لفرع حزب الرفاه في مدينة اسطنبول، بغض النظر عن توجهاتهم.

بجانب هذا، لابد من ذكر سمة أخرى، وهي عدم التسامح مع أي من منسوبي الحزب، مهما كان منصبه، من أن ينهي علاقته بالحزب من دون تردد إذا ما أرتكب أحدهم أي خطئ قد يضر بالحزب أو يعكر العلاقة مع الجماهير.

هذه الصفات أكسبته محبة الشارع، والأهم من ذلك هو ثقة المواطن والناخب التركي، ومن كل الفئات والطبقات الاجتماعية.

5-الأفعال قبل الأقوال، والأرقام أصدق من كل دعاية وإعلام:

كرر أردوغان في كل خطاب منذ بداية حياته السياسيةـ نه لن يخدع أحداً ولن ينخدع بأي شيء، لا بالسلطة ولا بنسب التأييد ولا قوة التصفيق وكثرة المديح، وأنه لن يَعِد ولن يتضمن برنامجه الانتخابي إلا ما سيستطيع الإيفاء به وإنجازه والقدرة على تحقيقه.

هذه الواقعية والصراحة وعقلانية الوعود وموضوعية الطرح والتشخيص الصحيح ووصف العلاج الواقعي الذي يلائم القدرة والإمكانيات للحكومة، جعله لاحقاً في موقف مريح، لأنه استطاع أن ينفذ ما وعد به وزيادة.

وهاهو يخاطب الجماهير مقارناً لهم بما وعد به وبين ما تم انجازه على أرض الواقع، من دون أن ينسى التعريج على أخطاء من سبقه من سياسيين وعدوا الناخب بمفتاحين واحد للبيت وآخر للسيارة، لكن ما حصل، أن التاريخ مسح أصحاب هذه الوعود الخيالية من سجله إلى الأبد.

ومن هنا نقول لمن تثور شعوبهم عليهم وتنتفض على سياساتهم ولا تثق بوعودهم، هكذا تُقاد الشعوب، وهكذا تُكتَسب محبتهم وثقتهم، وليس بالإجبار والتزوير والوعود التي لم تتحقق من عقود، وإن أُنجز بعضه، فهو فارغ المحتوى رغم بريقه الخارجي الخادع."

واليوم أعود لأجد أن كل هذه العوامل لاتزال هي العوامل الاساسية والركائز الرئيسية لنجاح أردوغان ،والسنيين الأخيرة كشفت لنا هي الأخرى عوامل وصفات جديدة وهامة تستحق أن نخصصها بمقال آخر...