الخميس 2017/10/12

أزمة المياه في قطاع غزة تشتد وتهدد صحة السكان

حذّر جورج كرزم مدير وحدة الدراسات في مركز العمل التنموي «معا»، من تفاقم أزمة مياه الشرب خلال الأشهر الأخيرة في قطاع غزة والمياه العادمة المتفاقمة اصلاً نتيجة تقليص كمية الكهرباء المزودة لقطاع غزة، ما عطّل عمل محطات تنقية المياه العادمة، وبات أكثر من 110 مليون لتر (110 ألف متر مكعب) من تلك المياه غير المعالجة تتدفق يوميا إلى شواطئ قطاع غزة، ما يلوث مياه البحر تلويثا رهيبا. كما تجري المياه العادمة في وديان القطاع وبالتالي تخترق الأرض لتصل إلى مياه الخزان الجوفي الساحلي الفلسطيني الذي يمر جزؤه الجنوبي في غزة علما بأن هذا الخزان يعتبر مصدر مياه الشرب الأساسي لأهالي القطاع.

ويعد التدفق اليومي لكميات ضخمة من المياه العادمة نحو بحر غزة، من أعراض أزمة متواصلة أكبر وأخطر في قطاع غزة، تتمثل أساسا في الحصار الإسرائيلي التجويعي المفروض على الأهالي هناك منذ أكثر من عشر سنوات، ما أرغم الغزيين على الاعتماد بقوة أكبر على الزراعة كمصدر للرزق والغذاء. ولضمان استمرارية زراعة المحاصيل تضخمت كثيرا عمليات ضخ المياه الجوفية، ما أدى إلى هبوط منسوبها وبالتالي تدفق مياه البحر المالحة، وفي المحصلة ارتفاع تركيز الأملاح في مياه الشرب. كما أن العجز عن معالجة البنى التحتية لمياه الصرف الصحي، فاقمَ كثيرا تلويث المياه الجوفية.

وأشار الخبير البيئي إلى أن كمية المياه التي يتم سحبها من المخزون الجوفي أكثر من ضعف حجم التغذية المائية الراجعة للمياه الجوفية «أي التغذية الناتجة عن تسرب مياه الأمطار إلى باطن الأرض»، يضاف إلى ذلك أن التغذية المائية الراجعة آخذة في الانكماش بسبب التوسع العمراني في قطاع غزة الناجم عن التكاثر السكاني في منطقة جغرافية صغيرة جدا (365 كيلومترا مربعا) ما يتسبب في تقلص المساحة التي تستطيع مياه الأمطار من خلالها التسرب نحو باطن الأرض.

وتبين الخرائط الهيدرولوجية لتركيز أملاح الكلورايد Cl والنِتراتNO3 مركبات النيتروجين وبخاصة NO3 التي تشير إلى وجود تلوث كيميائي في المياه الجوفية في قطاع غزة، أن الوضع المائي مرعب. ففي الغالبية العظمى لآبار المياه يتجاوز تركيز تلك الأملاح كثيرا المستويات المسموح بها في مياه الشرب.

وتبين كذلك أن تركيز النترات في معظم مناطق القطاع أعلى من 50 ملغم/ لتر، وفي مناطق عديدة يتجاوز التركيز 150 ملغم/ لتر بل يصل إلى ما بين 200 و500 ملغم/ لتر فأعلى. وقد حددت معايير منظمة الصحة العالمية الحد الأقصى المسموح به لتركيز النترات بأقل من 50 ملغم/ لتر.

وظهر أن تركيز الكلورايد، في معظم مناطق القطاع أعلى من 250 ملغم/ لتر بل وفي مناطق عديدة يفوق الـ 1500 ملغم/ لتر ويصل إلى ما فوق 2000 ملغم/ لتر، فيما تؤكد معايير منظمة الصحة العالمية أن الحد الأقصى المسموح به لتركيز الكلورايد أقل من 250 ملغم/ لتر.

وحسب كرزم لا يملك الفلسطينيون في قطاع غزة خيارا سوى شرب المياه الملوثة التي ازدادت تلوثا مع تفاقم تدفق كميات هائلة من المياه العادمة خلال الأشهر الأخيرة. ومع استمرار الوضع الحالي سيتفاقم حتما تفشي الأمراض الناجمة عن شرب وملامسة المياه الملوثة.

ويقول كرزم إنه مما لا ريب فيه، أن الاحتلال الإسرائيلي يتحمل المسؤولية الكبرى عن تدهور الوضع المائي الكارثي في قطاع غزة، باعتباره المزود الرئيسي للمياه والكهرباء ويملك السيطرة المطلقة على المعابر البرية والمساحات البحرية. لكن ما لا يقل خطورة عن دور الاحتلال في الوضع المائي الحالي هناك، هو العجز الفلسطيني الرسمي في رام الله وغزة عن إدارة البنى التحتية القائمة. فالانقسام والخلاف بين سلطتي رام الله وغزة حول مراكز القوة والسيطرة في القطاع يزيدان المشهد تعقيدا وخطورة. فقد بات معروفا أن الأزمة الكهربائية وبالتالي المائية الحالية في قطاع غزة، تفاقمت خلال الأشهر الأخيرة بسبب تقليص كمية الكهرباء التي تزودها إسرائيل لقطاع غزة، إثر طلب السلطة الفلسطينية في رام الله ذلك، بهدف الضغط على سلطة حماس وقد تجلى ذلك من خلال تخفيض سلطة رام الله لحجم الدفعات المالية التي تدفعها لإسرائيل مقابل تزويدها للكهرباء. يضاف إلى ذلك، أن سلطات الاحتلال أعاقت طيلة السنوات الأخيرة ولا تزال تعيق عمدا اتخاذ قرار بالموافقة على إنشاء خط إضافي لتزويد الكهرباء، وتحديدا لغرض تمكين محطة التنقية في شمال قطاع غزة بالعمل. والحقيقة أن أزمة المياه العذبة والمياه العادمة تشكل تهديدا وجوديا لجميع سكان قطاع غزة.

وسبق أن حذر كرزم أكثر من مرة من «الفضائح» الكثيرة التي تضمنتها الاتفاقات الإسرائيلية – الفلسطينية، والمتصلة تحديدا بقطاع المياه، إلا أن «الفضيحة» الأخطر تمثلت في ترك قطاع غزة يواجه لوحده الظلم والتعطيش المائيين الرهيبين المفروضين عليه، إذ «يجب» على القطاع وفقا للاتفاقيات أن يتدبر شأنه المائي لوحده وأن يعتمد فقط على المياه الجوفية الشحيحة داخل حدوده ما أجبر الغزيين على الضخ المفرط للمياه الأمر الذي تسبب في تسرب متواصل لمياه البحر ومياه الصرف الصحي إلى المياه الجوفية، وبالتالي أصبح أكثر من 95% من المياه العذبة غير صالحة للشرب.

وقال إن ما فعلته الاتفاقات الإسرائيلية-الفلسطينية هو شرعنة ما كان قائما من نهب إسرائيلي لمياه الأمطار المتدفقة في وادي غزة من جهة الأرض المحتلة عام 1948، من خلال الأحواض والمصائد المائية التي نصبتها إسرائيل على حدود قطاع غزة لمنع تسرب مياه الضفة إلى هناك.

ويتابع انه كما ان استخدام الاحتلال المياه سلاحاً للتنكيل المنهجي والمنظم بالفلسطينيين والتلذذ بتعطيشهم وإذلالهم، يهدف أساسا إلى تخليد تبعيتهم له، ليس فقط في لقمة عيشهم، بل أيضا في قطرة مياههم. بل ويستخدم سلاح التعطيش أيضا لإخضاع الفلسطينيين وإرغامهم على الرضوخ للاحتلال ومشاريعه. وفي هذا السياق، من المفيد التذكير أنه أثناء حصار قوات الاحتلال الإسرائيلي لبيروت عام 1982 نصح يتسحاق رابين زميله أريئيل شارون وزير الحرب الصهيوني آنذاك، أن يبادر الأخير إلى قطع الماء والكهرباء عن بيروت الغربية وتعطيشها، بهدف إخضاع المقاومة الفلسطينية المحاصرة هناك. وهكذا كان، إذ تم قطع الماء والكهرباء لبضعة أسابيع أثناء الحصار.

وختم كرزم تحذيره بالقول إن أزمة المياه في غزة يمكن حلها، إلى حد بعيد من خلال تطوير بنية تحتية مائية تربط غزة بسائر أنحاء فلسطين، أو على الأقل بالآبار الجوفية الغنية في الضفة الغربية بحيث يتم تمديد خط مياه بين الضفة وغزة لتزويد الأخيرة بكميات كبيرة من المياه اللازمة لتغطية العجز المائي الخطير والمتزايد مع زيادة النمو السكاني.