الأربعاء 2018/02/14

موقع بريطاني: ما مصير المليارات المصادرة من محتجزي الريتز؟

تساءل موقع "ميدل إيست آي" البريطاني في تحقيق صحفي نشره، عن مصير 106 مليارات دولار صادرتها السلطات السعودية من 381 مواطنا سعوديا بينهم أمراء ووزراء ورجال أعمال، الشهر الماضي.

وتقدم "عربي21" ترجمة خاصة كاملة للتحقيق الذي أجراء موقع "ميدل إيست آي" البريطاني.

بينما تعود غرف فندق "ريتز كارلتون" الرياض إلى زبائنها الذين يدفعون 650 دولارا لليلة الواحدة، يثير تحقيق قام به موقع "ميدل إيست آي" تساؤلات حول المدى الذي ذهبت إليه المملكة العربية السعودية في النيل من الفساد والفاسدين.

ها هي مؤسسات أبيل وأمازون تندفع باتجاه الاستثمار داخل المملكة، بينما يستعد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لإطلاق "معرض المملكة المتنقل" ليأخذ بألباب المستثمرين في عواصم المال الغربية خلال الأسابيع القادمة.

إلا أن تحقيقا أجراه موقع "ميدل إيست آي" يكشف عن أن أسئلة أساسية ما تزال تحوم حول الأحداث التي بدأت في الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر عندما استدعيت مجموعة من الأمراء ورجال الأعمال إلى الفندق من فئة الخمسة نجوم لما ظنوا أنه اجتماع في الساعات المتأخرة من الليل مع ولي العهد محمد بن سلمان.

إلا أنهم بدلا من ذلك ألقي القبض عليهم واحتجزوا في داخل الفندق الفاره. بل وتعرض بعض كبار الأمراء للضرب والتعذيب حتى يكشفوا عن تفاصيل حساباتهم البنكية لدرجة أنهم احتاجوا إلى العناية الطبية داخل المستشفى.

بعد أن أفرج عن معظم الأمراء ورجال الأعمال وأطلق سراحهم، صرح النائب العام في المملكة العربية السعودية سعود المعجب في الثلاثين من كانون الثاني/يناير بأن ما يزيد عن 106 مليارات دولار تمت مصادرتها من 381 مواطنا سعوديا.

إلا أن تحقيقا أجراه موقع "ميدل إيست آي" يكشف عن أن النزر اليسير فقط معلوم عن غالبية من كانوا محبوسين هناك، وعن نوع الممتلكات التي أجبروا على تسليمها أو التخلي عنها وعن كيفية الوصول إلى الرقم المعلن عنه فيما لو كان صحيحا فعلا.

وقال مستشار مالي يعمل في منطقة الخليج، ولديه معرفة واسعة ومعلومات تفصيلية حول العديد من الشخصيات التي كانت رهن الاحتجاز: "لا يبدو أن الحسبة صحيحة".

وزعم محمد بن سلمان ومؤيدوه أن حملة القمع كانت بمثابة "صدمة علاجية" ضرورية لوضع حد لعقود من الفساد المستشري بين علية القوم والذي تسبب في تكبد المملكة عجزاً يبلغ 52 مليار دولار.

وفي مقابلة مع "سي إن بي سي" حول حملة التطهير، قال علي الشهابي، مدير مؤسسة الجزيرة العربية التي تتخذ من واشنطن العاصمة مقرا لها: "لقد شابتها حالة من الفوضى العارمة، وتسببت في تعطيل كثير من الأعمال، وربما كانت لها على المدى القصير بعض التداعيات السلبية، ولكنها تمثل على المدى البعيد تطوراً إيجابيا جدا".

إلا أن انعدام الشفافية في الإجراءات المحيطة بحملة التطهير تبعث على الاستنتاج بأن نفس الأشخاص ونفس الممارسات التي استخدمت قبل الحملة ستظل موجودة فيما بعدها.

يقول بروس ريدل، المحلل السابق في المخابرات الأمريكية (سي آي إيه) والذي يشغل حاليا منصب مدير مشروع "بروكنغز إنتلجنس": "لو كان ذلك إجراء حقيقيا لمكافحة الفساد لكان لدى الحكومة مصلحة في ضمان أن يعرف جميع الناس هوية من ألقي القبض عليهم وطبيعة التهم الموجهة إليهم. ولكن، إذا لم تكن مثل هذه المعلومات متاحة فهذا يعني أن الحكومة السعودية تتستر على شيء ما وأن ما تم من إجراءات لا علاقة له في حقيقة الأمر بمكافحة الإرهاب على الإطلاق، وإنما يتعلق بجمع الأموال لإنقاذ بلد يعاني من أزمة اقتصادية شديدة جدا".

من هم الأشخاص الآخرون الذين ألقي القبض عليهم ويبلغ عددهم 350؟

لقد تم، وبشكل جيد، توثيق هويات ما يقرب من ثلاثين من الشخصيات السعودية التي ألقي القبض عليها في شهر تشرين الثاني/نوفمبر. كان أشهر هذه الشخصيات وأكثرها ثراء الأمير الوليد بن طلال، والذي أطلق سراحه الشهر الماضي. وكان الوليد قد صرح في مقابلة أجريت معه أثناء احتجازه داخل "الريتز" أن الأمر برمته لا يتعدى كونه "سوء فهم".

وكان من ضمن المحتجزين أيضا عدد من مشاهير رجال الأعمال من مختلف القطاعات وعدد من كبار الأمراء بما في ذلك الأمير متعب بن عبد الله والذي كان في وقت من الأوقات مرشحا للجلوس على عرش المملكة السعودية، وكذلك عدد من كبار المسؤولين السابقين والحاليين في الحكومة. بل إن أحد المعتقلين، واسمه إبراهيم العساف، والذي يشغل حاليا منصب وزير دولة ويعمل كذلك مستشارا لدى الملك سلمان، احتفظ بمنصبه بعد إطلاق سراحه وترأس وفد المملكة العربية السعودية إلى المنتدى الاقتصادي العالمي في "دافوس" في شهر يناير/ كانون الثاني.

تمكن موقع "ميدل إيست آي" من التعرف على هويات أربعة وثلاثين من الشخصيات التي اعتقلت، ولكن إذا كان الرقم الإجمالي لعدد من ألقي القبض عليهم، كما يقول المعجب، هو 381، فمن هي الشخصيات الأخرى يا ترى؟

قبل أسابيع من حملة التطهير التي شنت في نوفمبر / تشرين الثاني، جرى اعتقال ما يزيد عن ستين من رجال الدين ونشطاء حقوق الإنسان والصحفيين والشعراء.

وعلى الرغم من أن هذه الوجبة من المعتقلين حظيت باهتمام إعلامي أقل بكثير، إلا أن هويات المعتقلين كانت معروفة إلى حد كبير لدى منظمات حقوق الإنسان، وأصدرت منظمة القسط الحقوقية السعودية، التي تنشط من بريطانيا، قائمة كاملة بأسمائهم.

لكن الأمر نفسه لم ينطبق على المجموعة التي احتجزت في نوفمبر / تشرين الثاني. فقد تواصل موقع "ميدل إيست آي" مع أربع من المنظمات الحقوقية الرئيسية التي ترصد أوضاع حقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية وهي "هيومان رايتس واتش"، والعفو الدولية، ومؤسسة الكرامة، ومنظمة القسط، وذلك لمعرفة ما إذا كانت أي منها تملك تزويد الموقع بقائمة بأسماء المعتقلين.

فقط منظمة القسط كانت لديها قائمة، إلا أن قائمتها لم يكن فيها سوى أسماء ثلاثين شخصا.

وعن ذلك قال يحيى العسيري، مؤسس منظمة القسط: "معظم هؤلاء الأشخاص لا يعرف أحد من الناس عنهم شيئا".

كم نسبة النقد فيما تم الاستيلاء عليه من ممتلكات قيمتها 106 مليارات دولار؟

بعد أيام من بدء الاعتقالات في نوفمبر / تشرين الثاني، قال المسؤولون السعوديون إنهم صادروا ما قيمته 800 مليار دولار على شكل سيولة نقدية وممتلكات أخرى. ثم نزل هذا المبلغ إلى النصف بعد عشرة أيام ليتراوح ما بين 300 إلى 400 مليار دولار. وها قد وصل الآن إلى 106 مليارات دولار.

يقول ريدل تعليقا على ذلك: "ما يكشف عنه ذلك هو أن الأمر لم يكن مخططاً له بشكل جيد، وهذا لا يدهشني".

تراجعت تقديرات الأرقام لأسباب قد يكون منها المصاعب التي تواجه المسؤولين السعوديين في مصادرة الممتلكات الموجودة خارج المملكة. وذلك أن بعض هذه الممتلكات مقيد باتفاقيات قانونية يصعب معها نقل الملكية كما أن بعضها مودع في البنوك السويسرية التي ما فتئت تصد محاولات لوضع اليد عليها، بحسب ما ورد في تقرير لصحيفة "الفاينانشال تايمز".

ولكن حتى مبلغ 106 مليارات دولار لم يسلم من الشكوك التي تحوم حوله.

من الجدير بالذكر أنه لم تصدر تقارير بمبالغ بالدولار إلا في تسويتين- قيل إن الأولى كانت مع الأمير الوليد بن طلال بمبلغ 6 مليارات دولار بينما الثانية كانت مع الأمير متعب بن عبد الله بمبلغ مليار دولار- أي ما مجموعه 7 مليارات دولار. إلا أن الأمير الوليد بن طلال نفى ذلك وصرح في مقابلة مع وكالة "رويترز" أجرتها معه الشهر الماضي أنه لا يتوقع التنازل عن "أي شيء على الإطلاق".

بالإضافة إلى الأميرين الاثنين السابق ذكرهما، يقال بأن سبعة آخرين سووا أوضاعهم، وهم:

• بكر بن لادن، رئيس مجموعة بن لادن السعودية، والذي يقال بأنه قام وأفراد من عائلته بنقل ملكية بعض الأسهم في مجموعة ابن لادن السعودية إلى الدولة، مع بقاء شركته ملكية خاصة يديرها بنفسه.

 

ومع ذلك، صرح مصدر مطلع لموقع "ميدل إيست آي"، الاثنين، أن ابن لادن ما زال رهن الاحتجاز ولم يطلق سراحه بعد.

• وليد الإبراهيم، رئيس مجموعة "إم بي سي"، والذي أمر بأن يتنازل عن حصة في "إم بي سي" تبلغ قيمتها 2 مليار دولار، يفقد بموجبها السيطرة على إدارة المجموعة.

• محمد الطبيشي، الرئيس السابق للديوان الملكي، والذي يقال بأنه سلم للدولة كمية غير محددة من النقد والممتلكات العينية.

• محمد بن حمود المزيد، المساعد السابق لوزير المالية.

• سعود الدويش، المدير التنفيذي السابق لشركة سعودي تيليكم (للاتصالات).

• صالح كامل، رئيس ومؤسس مجموعة دله البركة.

• الأمير تركي بن خالد.

لم تتوفر أي معلومات تفصيلية عن الممتلكات التي تنازل عنها الخمسة الآخرون، هذا إذا افترضنا صحة التقرير المشار إليه. وكان المصدر السعودي نفسه قد صرح، الاثنين، بأن عمرو دباغ، المدير التنفيذي ورئيس مجموعة الدباغ قد سوى وضعه مع الدولة أيضا ولكنه لم يزل محتجزا.

تقول السلطات السعودية إنها تتوقع تحويل 13.3 مليار دولار من مجموع 106 مليارات دولار إلى خزينة الدولة بحلول نهاية العام.

إلا أن الحسبة لا يبدو أنها صحيحة بحسب ما ذهب إليه المستشار المالي الخليجي المطلع والخبير بهويات اللاعبين، والذي طلب إبقاء هويته طي الكتمان لأنه ما زال على رأس عمله في المنطقة.

ففيما عدا الوليد بن طلال ومحمد العمودي، رجل الأعمال السعودي من أصول إثيوبية، يقول المستشار المالي إن المعتقلين الآخرين "جميعهم أقل ثراء". فإذا كان الوليد بن طلال قد سلم ما مقداره 6 مليارات دولار، رغم أنه ينفي ذلك، فكيف أمكن إذن جمع ما مقداره 99 مليار دولار من الآخرين؟

يقول المستشار المالي: "بعض هؤلاء الأشخاص ثروته لا تتجاوز المليار دولار، وبعضهم ربما لا تتجاوز مائة مليون دولار. فحتى لو اعتمدنا رقما متوسطا، لدينا هنا 350 شخصا، فإنه لو كانت ثروة كل واحد منهم تقدر بما قيمته 500 مليون دولار، سيفضي ذلك إلى ما مجموعه 175 مليار دولار. ولا أعتقد أنهم أخذوا من كل واحد منهم نصف ما يملكه من ثروة".

وبين أن إحدى الطرق التي يمكن من خلالها الحصول على 100 مليار دولار هي الأخذ بالاعتبار قيمة العقارات التي وضعت السلطات يدها عليها، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن سيولة نقدية بهذه القيمة قد دخلت خزينة الدولة.

وقال المستشار المالي: "لمن ستبيع هذه العقارات؟ نحن هنا نتحدث عن مواقع في الصحراء، وسيكون من الصعوبة بمكان بيعها".

والتفسير الآخر هو أن الحكومة قد تكون أخبرت الشركات التي لها ديون على الدولة- مثل مجموعة ابن لادن السعودية التي يقال بأن لها ديونا على الدولة السعودية بما يقرب من 30 مليار دولار- بأنها لن تسد لها ديونها.

تارة أخرى، هذا مثال على أموال يتم توفيرها، ولكن هذا شيء ووجود سيولة نقدية داخل البنك شيء آخر تماما.

لماذا لا نعرف المزيد؟

وقالت جوليا ليغنر، مسؤول الشؤون القانونية في منطقة الخليج في مؤسسة الكرامة لحقوق الإنسان، إن الذين اعتقلوا في شهر تشرين الثاني/نوفمبر يعتمدون على من في السلطة ويحتاجون إليهم إذا ما أرادوا الاستمرار في ممارسة نشاطاتهم وأعمالهم. وهذا يجعل هذه الفئة مختلفة عن أولئك الذين اعتقلوا في أيلول/سبتمبر، والذين كانوا في الماضي قد وجهوا انتقادات للدولة.

وأضافت ليغنر: "إذا كنت رجل أعمال أو أحد أعضاء العائلة الملكية الحاكمة، فأنت بحاجة إلى شبكة من العلاقات، ولذلك لا يمكنك ببساطة التنديد بمن في أيديهم مقاليد الأمور، فهذا يمكن أن يكلفك الكثير من المال بل ويكلفك وجودك ذاته".

وقال العسيري وليغنر إنه على الرغم من أن الاختفاء والاعتقال أمر روتيني في المملكة العربية السعودية إلا أن حجم الاعتقالات التي وقعت في شهر تشرين الثاني/نوفمبر مع انعدام المعلومات حول هوية من طالتهم حملة الاعتقال أمر غير مسبوق.

وأضاف العسيري: "بات كل شخص في المملكة العربية السعودية يسأل نفسه قائلا: هل سيأتي علي الدور؟".

وهناك أسئلة أخرى ما زالت بلا إجابات كما يقول ريدل، مثل ما هي الشروط التي أمليت على من أطلق سراحهم والتزموا بها؟ وبشكل خاص، هل يتمتعون بحرية نقل أموالهم من مكان إلى آخر؟

وقال: "أول ما سيفترضه الناس أن من مروا بهذه التجربة بمجرد أن يطلق سراحهم سيذهبون إلى بيوتهم ثم سيسعون إلى نقل جميع ممتلكاتهم من المملكة إلى الولايات المتحدة وإلى بريطانيا حيث يتوفر لها الملاذ الآمن".

وبعد هذا كله يبقى الجواب المفقود على السؤال الأهم: أين يوجد مبلغ الـ 106 مليارات دولار الآن؟

تواصل موقع "ميدل إيست آي" مع السفارتين السعوديتين في كل من لندن وواشنطن للتعليق على التقرير، ولكن لم يصلنا منهما جواب.