الجمعة 2018/10/26

فورين بوليسي: كيف تنجو من الجريمة على الطريقة السعودية؟

نشرت مجلة "فورين بوليسي" مقالا لأستاذ العلاقات الدولية في جامعة جون كندي، ستيفن والت، يتحدث فيه عن قضية مقتل الصحافي جمال خاشقجي، وإنكار الرياض وتبريراتها وأعمال السفسطة الأخرى حول هذه الجريمة.

 

وفيما يأتي نص المقال، الذي ترجمته "عربي21":

 

إن الحكومات تقوم أحيانا بأفعال سيئة، وأحيانا تقوم بأفعال سيئة جدا. وعندما تفضح تلك الأفعال تحاول تلك الحكومات أن تخفف لأقل قدر ممكن تداعياتها السلبية بتقديم كم من الإنكارات والأعذار والتبريرات والشعوذات والسفسطة. وقد كتبت حول هذه الظاهرة من قبل في مقالين: الأول (الدفاع عن ما لا يمكن الدفاع عنه)، حيث أدرجت 21 خطوة لجعل فعل سيئ يبدو مقبولا، والثاني (كيف تبرر أي سياسة)، حيث اختصرت تلك الخطوات الى مجرد عشر خطوات.

 

ومع وقوع الأحداث الأخيرة شعرت بأنها فرصة سانحة لإعادة النظر في القائمة مرة أخرى، خاصة لتفحص رد فعل السعودية، وبشكل أقل رد فعل إدارة ترامب لمقتل الصحافي المعارض جمال خاشقجي، ورؤية مدى تطابقها مع النقاط العشر التي حددتها في مقالي السابق، أشك في أن يكون أحد من الحكومتين قرأ أيا من المقالين، فمعظم السياسيين (وبالذات كذاب مثل الرئيس دونالد ترامب) لا يحتاجون دروسا مني في كيف يطهرون تصرفاتهم، لكن الغريب هو مدى قرب تصرفاتهم من تلك الأساليب التي وصفتها قبل عدة أعوام.

 

ولتبسيط الأمر دعنا نلتزم بنسخة العشر خطوات:

 

أولا: "لم تحصل أبدا"، فعندما تتهم بشيء سيئ فإن من الطبيعي إنكار حصوله، فالرئيس السابق بيل كلنتون "لم يمارس الجنس مع تلك المرأة"، ونظام بشار الأسد لم يستخدم الأسلحة الكيماوية، والحكومة السعودية أنكرت ابتداء أن يكون حصل أي شيء سيئ، وقال السعوديون إنه زار القنصلية وغادرها من الباب الخلفي ولا يعرفون مكانه، وهذه الرواية السخيفة لم تقنع أحدا وتهاوت مباشرة تقريبا.

 

ثانيا: "وجه الاتهام لطرف آخر" عندما تكره على الاعتراف بأن شيئا سيئا حصل، فرد الفعل التالي هو إلقاء اللوم على طرف آخر، وكان ذلك التكتيك واضحا عندما قدم ترامب فكرة "القتلة المارقين"، ما يعني أنها ليست عملية رسمية، وكان يمكن أن يكون ترامب صحيحا لو لم يكن "القتلة المارقون" في الواقع عملاء سعوديين يعملون نيابة عن زعيم يزداد مروقا، وشكل أخر من هذه القصة هي القصة السعودية الرسمية حاليا: ففي محاولة لاخلاء طرف ولي العهد محمد بن سلمان من أي مسؤولية سيقوم السعوديون باختيار أكباش فداء مساكين في المخابرات ويتهمونهم بالجريمة كاملة، وسيحصلون على مساعدة من ترامب الذي يبدو حريصا أن يبرئ ساحة ولي العهد بغض النظر عن حجم الأدلة ضده.

 

ثالثا: "نعم فعلنا شيئا سيئا.. لكن لم نفعله عمدا"، وهذا عذر معروف أيضا وأساسي في الادعاء السعودي بما حصل مع خاشقجي، الذي توفي بشكل غير متوقع في "شجار بالأيدي"، أو الادعاء اللاحق بأن خاشقجي بدأ يصيح وأنه مات عندما وضع أحد الأشخاص يده على فمه، هل ترون ماذا يحصل هنا؟ نعم، علينا أن نعترف بأن الرجل مات، لكن لا أحد قصد أن يقتله، فكان على خاشقجي ألا يختار شجارا مع 15 رجلا، أو أنه كان يجب عليه ألا يصرخ عندما بدأوا في توجيه بعض الأسئلة بشكل مؤدب إليه، فلا يحمل أحدا المسؤولية عن وفاته.. ورجاء توقفوا عن السؤال عن الأطباء في الفريق وعن مناشير العظام وعن مكان الجثة.

 

رابعا: "لم يكن أمامنا خيار"، تعترف الحكومات أحيانا بأنها فعلت شيئا يؤسف له، لكن لأنه لم يكن أمامهم خيار آخر، وللعدل لم تستخدم هذه الحجة بشكل صريح في حالة خاشقجي، فلا احد يقول إن الرجل شكل تهديدا كبيرا للحكومة السعودية وأن قتله مبرر، لكن هذه الحجة متضمنة في الادعاء بأن الفريق قتله خطأ، حيث كان الهدف من وجودهم هو استجوابه (وربما خطفه)، ولم يكن أمامهم خيار إلا استخدام القوة عندما قاوم، هذا العذر لا يحاول أن يبرر الفعل، لكنه يحاول أن يجعل النتيجة أقل شناعة.

 

خامسا: "لقد كان ذلك هو الأفضل"، تبرر الحكومات عادة الأخطاء بالاعتراف بأنها قد تكون مزعجةـ ويمكن الاختلاف على مدى أخلاقيتها، لكنها في المحصلة لتحقيق ما هو أفضل، أي أن الغاية تبرر الوسيلة، وهذه حجة تستخدم عادة عندما تشن دولة قوية الحرب على دولة أضعف: فبغض النظر عن التكلفة الإنسانية لإسقاط صدام حسين أو معمر القذافي أو أي شخص، فذلك يبرر بأن النتيجة ستقود إلى عالم أفضل في النهاية.

 

ولم يستخدم أحد هذا المبرر بشكل مباشر، لكن عندما يتحدث ترامب عن مليارات الدولارات التي ستدفعها السعودية مقابل عقود شراء أساحة، أو عندما يحاول ثوماس فريدمان أن يرسم صورة وردية لمحمد بن سلمان في مقالته في "نيويورك تايمز" فكانه يقول: "أعترف بأن قتل صحافي ليس أمرا جيدا، لكن لننظر إلى الصورة الأكبر، ولننظر إلى الفوائد التي سنجنيها من دعمنا لمحمد بن سلمان".

 

وليس غريبا أن أسوأ شكل من هذا التكتيك جاء من المحافظين الجدد المؤيدين لإسرائيل، الذين يحرصون على بقاء التحالف الضمني بين ابن سلمان وحكومة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، فكيف يفعلون ذلك؟ بتشويه صورة خاشقجي، ووصفه بأنه إسلامي متطرف، وكان متعاونا مع تنظيم القاعدة ومقربا من أسامة بن لادن، والمعنى المقصود هو أنه يستحق القتل أو على الأقل أن قتله يجب ألا يزعجنا كثيرا، والادعاء بأنه كان يدعم أسامة بن لادن يعود لثمانينيات القرن الماضي حين كانت أمريكا والسعودية تدعمان "المجاهدين" في أفغانستان، وشجب خاشقجي تنظيم القاعدة عندما بدأ يقوم بأعمال إرهابية في الشرق الأوسط وفي الغرب.

 

سادسا: "الكل يفعل ذلك، ويفعلها أعداؤنا أكثر منا"، لم أر إلى الآن أحدا يستخدم هذا العذر بعد، وأتوقع أنه ينتظر الاستخدام، فعندما يتم تحديد أكباش الفداء وتعود المياه إلى مجاريها توقع أن تسمع الكثير من الشجب لأفعال إيران الإقليمية التي "تزعزع" الاستقرار وذنوبا أخرى، التي سيتم وصفها بأنها أسوأ بكثير من أي شيء قامت به السعودية، والهدف من ذلك هو أنه يجب علينا "الغرب" أن نستمر في دعمها، ونستمر في التهديد بالحرب ضد إيران.

 

سابعا: التأكيد على ضبط النفس "كان يمكن أن نفعل ما هو أشنع من ذلك"، عندما تحاصر الحكومات ولا تستطيع انكار فعل شيء خاطئ، فإنها تلجأ أحيانا للإصرار على أنها أبدت الكثير من ضبط النفس، وأنه كان بإمكانها فعل ما هو أكبر من ذلك، وأنه علينا أن نكون راضين لأنها لم تستخدم القوة الموجودة لديها كلها، ولا أدري كيف يمكن استخدام هذا العذر في هذه القضية، وربما هذا هو السبب في عدم استخدامها لحد الآن.

 

ولكن للشخص أن يتساءل عما إن كان الهدف من العملية أوسع من إسكات صوت له علاقات واسعة، وأحد التحليلات هو أن العملية كان لها هدفان: الأول إسكات معارض له تأثير، والثاني إرسال رسالة مخيفة لأي شخص يفكر في انتقاد ولي العهد وحكمه المتقلب والعاجز.

 

وفي هذا التحليل للعملية فإن من أعطى الأمر بهذه العملية كان يعلم تماما أنها لن تبقى سرا، وأنه كان لا يهمه أبدا أن تكشف مسؤوليته، بالضبط لأنها سترسل تلك الرسالة المخيفة للآخرين.

 

ثامنا: تأكيد مكانة خصوصية "ما فعلناه لم يكن فعلا خطأ لأننا مختلفون"، لحد الآن لم تحاول السعودية ادعاء أن أفعالها مبررة؛ لأنها "دولة لا يمكن الاستغناء عنها"، أو "حامية الحرمين"، أو منبع الوهابية، ولفعل ذلك يجب الاعتراف بأن العملية لم تكن عملية مارقة انحرفت عن مسارها، لكن هذه الحجة ضمنية في المقاربة الأمريكية التي تريدنا غض النظر بسبب علاقة الصداقة الحميمة بين واشنطن والرياض، والصداقة بين زوج ابنة الرئيس ومحمد بن سلمان والفوائد الناتجة عن تلك العلاقات، وحجج مماثلة.

 

تاسعا: العب بطاقة مذنب واعتذر: يمكن للاعتذار الصادق أن يذهب بعيدا لتهدئة المنتقدين، كما أثبت ذلك العديد من السياسيين والمشاهير، فبالنسبة للزعماء المتورطين في أنشطة مشبوهة، فإحدى الصيغ هي الادعاء بأنهم يشعرون بالأسف حول ما فعلوا، وأن يوضحوا بأنهم ليسوا قساة حول التداعيات، ولا تفرحهم معاناة الآخرين، ولذلك عندما زادت عمليات الاغتيال بالطائرات المسيرة في عهد أوباما كان معروفا بأن كثافة العمليات تعني المزيد من قتل المدنيين الأبرياء، لكن الرئيس نفسه كان يتألم عند اتخاذ هذه القرارات.. أي أنه لا مشكلة في ارتكاب الإثم ما دام شعورك سيئا نحو هذا الفعل.

 

وكذلك أعربت الحكومة السعودية عن "اسفها العميق" للحادثة، ووعدت بأن تصل إلى جذور القضية، وآمل أن تكون رواياتها المستقبلية أكثر قابلية للتصديق مما عرضت إلى الآن، وأن تتم محاسبة كل من له صلة، لكني لا أراهن على ذلك، أقصد مثلا أنه لم يحاسب أي شخص في الحكومة الأمريكية لمنح الإذن أو القيام بالإغراق الوهمي.. أليس صحيحا؟

 

عاشرا: دفاع رامسفيلد (إن الأمور تحدث)، فعندما يفشل كل شيء يمكن الاعتماد على دفاع رامسفيلد التقليدي "إن الأمور تحدث"، وهذا يعني بالفعل غمامة من الحبر الأسود تنكر بها أنه يمكن أن يكون أي شخص مسؤولا عن أي شيء في عالمنا المجنون هذا، وحجج مشابهة مثل الحياة معقدة، وصنع السياسات ليس أمرا سهلا، ويخطئ صغار المسؤولين أحيانا، والأفعال التي يتم القيام بها بأفضل النوايا تؤدي في العادة إلى نتائج سيئة، ومن كان يعرف أن المسكين خاشقجي كان سيقاوم محاولة التحقيق والتعذيب والاختطاف أو أي شيء كنا ننوي القيام به حياله؟

 

ولذلك، فالسعوديون يتبعون المعادلة الكلاسيكية التي يتبعها من يقع في الخطأ ليسهلوا على المنتقدين ذهاب غضبهم ونسيان الأمر، وليس غريبا أن يساعدهم في ذلك البيت الأبيض، الذي من الثابت عدم اهتمامه بالحقيقة.

 

عندما يصبح قول الحق خطيرا إلى هذه الدرجة فإن الكذب يتزايد، ويمكن لمن هم في السلطة أن يستخدموها دون خوف من المساءلة، والنتيجة النهائية لذلك هي في العادة الكارثة.