الأربعاء 2017/09/20

اعتقالات السعودية.. هل تمهد لعلمنة الدولة؟

ما زالت السلطات السعودية تواصل حملة الاعتقالات التي بدأتها في التاسع من الشهر الجاري، باعتقال مجموعة من أشهر الدعاة في المملكة، كان من أبرزهم سلمان العودة، وعوض القرني، وعلي بن حمزة العمري.

ووفقا لحساب "معتقلي الرأي" على "تويتر"، فقد تم يوم الاثنين اعتقال ستة من أعضاء المحكمة الجزائية، وهم: محمد الدوسري، وعمر الحصين، ومحمد الزهراني، وخالد الرشودي، ويوسف الفراج، وأحمد العميرة".

وبحسب باحث شرعي سعودي اشترط عدم ذكر اسمه، فإن طبيعة الاعتقالات الأخيرة محيرة، لعدم وجود خيط ناظم لها، فقد شملت بعض من يصفونهم "بالمعارضين المحتملين"، وفي الوقت نفسه شخصيات أخرى غالبا ما تتماهي مواقفها مع مواقف الدولة الرسمية، وتدافع عنها.

وأوضح الباحث السعودي لـ"عربي21" أن ثمة توجهات لدى السلطات السعودية ترمي إلى تحجيم المؤسسات الدينية الرسمية وتجريدها من الصلاحيات، وكذلك الضغط على "العلماء والدعاة المستقلين" للتماهي بشكل تام مع المواقف السياسية الرسمية للدولة.

من جهته رأى الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، حسن أبو هنية أن حملة الاعتقالات الأخيرة في السعودية تأتي في سياق سعي النظام السعودي للسيطرة التامة على الشأن الديني، بالحد من صلاحيات وسلطات المؤسسات الدينية التقليدية، كهيئة كبار العلماء، وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي الوقت نفسه إخضاع العلماء والدعاة لمباركة كافة مواقفها السياسية.

ولفت أبو هنية إلى مشروع تم تقديمه لمجلس الشورى السعودي، يناقش قضية دمج هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في وزراة الشؤون الإسلامية، ما يعني تحجيم الهيئة وتجريدها من صلاحياتها، بعد أن منعتها الحكومة في العام الماضي من ملاحقة المشتبه بهم، أو اعتقالهم.

واستبعد أبو هنية في حديثه لـ"عربي21" أن تكون دوافع السلطات السعودية من وراء حملة الاعتقالات الجارية حاليا، الدفع باتجاه علمنة الدولة، نظرا لطبيعة النظام العائلية والقبلية، والتي لا تحتمل التحول إلى نظام علماني من أهم مواصفاته المدنية والتعددية، والتنوع الفكري والسياسي.

وأضاف أبو هنية: "الدولة السعودية تعيد النظر حاليا في كثير من قضايا الحقل الديني، وتلح كثيرا على المؤسسات الدينية الرسمية للترويج لمفهوم طاعة ولي الأمر في بعده السياسي والسلطوي، خلافا لما كان سائدا في العقود السابقة من توزيع السلطة بين السلطة السياسية والدينية.

ووصف أبو هنية ما قاله السفير الإماراتي في واشنطن، يوسف العتيبة "بأننا والسعودية نريد حكومات علمانية" بالمزايدات السياسية، لأنها بطبيعة أنظمتها السياسية أبعد ما تكون عن العلمانية والديمقراطية".

لكن هل تتجه الدولة السعودية إلى فك الارتباط بنموذجها الديني التاريخي، والتحلل شيئا فشيئا من مظاهر تدين الدولة؟ أجاب الناشط السياسي الكويتي أسامة الثويني بأن "الدولة السعودية الحديثة نشأت واستمرت كغيرها من الكيانات السياسية في المنطقة، استجابة وارتباطا بقوى غربية (بريطانيا سابقا وأمريكا لاحقا) ذات مصالح استعمارية واستراتيجية.

وأضاف لـ"عربي21": "هذه حقيقة تاريخية، غُلفت لاحقا بمسوغات شرعية كالدين أو الحق التاريخي وما شاكل ذلك من "شرعيات"، فالارتباط بمصالح القوى الكبرى يصلح كنموذج تفسيري موضوعي لتحريك الدين في الدولة والمجتمع".

ومثَّل الثويني لذلك بما قامت به أمريكا من استخدام ورقة الجهاد ضد الوجود السوفيتي في أفغانستان، فتبعها تحريك عربي رسمي قوي للدين في هذا الاتجاه، في السعودية وغيرها من الدول الإسلامية، وحينما عكست أمريكا سياستها في أفغانستان تبعها أيضا تحريك رسمي قوي للدين باتجاه مكافحة الإرهاب وتجريم الجهاد".

وأشار الثويني إلى أن "أمريكا بعد الحادي عشر من سبتمبر، انتبهت لخطورة "الإسلام السياسي" وتفرعاته، وسارت وفق استراتيجية واضحة تهدف للقضاء على هذا المارد، وتنوعت خططها وسياساتها حسب ظروف الإدارات الأمريكية المختلفة، ويلحظ المتابع تماهي الخطاب الديني الرسمي في العالم الإسلامي، ومنه السعودية، مع تلك الاستراتيجية".

وتابع حديثه: "حتى جاء الرئيس الجديد ترامب بصراحته وعجرفته وفجاجته، وفي هذا السياق جاء اتفاق قمة الرياض التي دعا فيها ترامب حكام المسلمين إلى القضاء على التطرف والإرهاب تماما، وبالنسبة لأمريكا فإن كل معارض سياسي على أساس الإسلام يعتبر متطرفا، وكل مقاوم بخلفية إسلامية يعتبر إرهابيا".

وانتقد الثويني الذين يظنون أن "المؤتمرات التي ترعاها الدول الكبرى في المنطقة تبدأ بالاستقبالات، وتنتهي بالبيانات" مؤكدا أنها "تبدأ بالمبادرات وتنتهي بالقرارات، ومن ثم تتابع اللجان المشتركة تنفيذها".

وفي هذا السياق وفقا للناشط السياسي الثويني "تُفهم تلك الدعوات المتكررة للحد من تداول كتب ابن تيمية، وابن عبد الوهاب، وغير ذلك من دعوات على المستوى الثقافي والإعلامي والتعليمي والاجتماعي، دعوات تتضافر بدون مبالغة لتجفيف منابع الإسلام، وليس ما يزعمونه من تجفيف منابع "الإرهاب" على حد قوله.

بدوره رأى الباحث المصري في شؤون الحركات الإسلامية، مصطفى زهران أن "ثمة تحولات واضحة في البنية المجتمعة السعودية، والتي ترتبط بشكل أو بآخر بالتحولات في المشهد السياسي والذي بدأ منذ عهد الملك عبد الله، وليس بعد تولي الملك سلمان السلطة".

وأضاف زهران: "لقد تم ابتعاث ألوف الطلبة والأكاديميين السعوديين، للدراسة في الخارج، والذين رجعوا برؤى مغايرة تماما للرؤى التقليدية السائدة في المجتمع السعودي، ما كان له الأثر العميق في التحولات المجتمعية هناك، والتي شكلت إرهاصات أولى بين يدي ما يجري حاليا من تحولات كبيرة".

وقال زهران لـ"عربي21": "إن القيادة السعودية الجديدة تسعى لإيصال رسائل واضحة للخارج، خاصة للولايات المتحدة الأمريكية بأنها على أتم الاستعداد لمشاركتها في جهودها الرامية إلى تجفيف منابع الفكر المتشدد والمتطرف.

ولفت زهران إلى أن السعودية على أعتاب مرحلة جديدة، من أبرز معالمها تحجيم دور المؤسسات الدينية الرسمية، وتجريدها من كل صلاحياتها، خاصة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي الوقت نفسه تحجيم دور الدعاة الوسطيين المعتدلين ممن ينتمون إلى التيار الإصلاحي، والذي يسعف كثيرا في تفسير حملة الاعتقالات الأخيرة.

وخلص زهران إلى القول بأن الحالة الدينية في السعودية على اختلاف تنوعاتها وتقسيماتها، يُعاد تشكيلها من جديد، بما يتوافق مع التوجهات الجديدة، التي تروم فك ارتباط الدولة بالرؤى الدينية التقليدية، مستبعدا في هذه المرحلة الدفع باتجاه علمنة الدولة بالكلية لعدم تقبل الشارع السعودي لها في الوقت الحاضر.